تعريف بحلقات الفكر المغربي

 

حَلقَة الفِكر المَغرِبي

المكتب المركزي

 

 

من بناء التصور إلى تصور البناء

        

حَلقَة الفِكر المَغرِبِي

و تَأسِيسُ الوَعْي بِأَسئِلَة المُستَقبَل

 

 

1 -متى تأسست "حلقة الفكر المغربي" ؟ :

صباح يوم السبت 17 ذي الحجة 1419 هجرية، الموافق ل 3 أبريل 1999 ميلادية، انعقد الجمع العام التأسيسي لحلقة الفكر المغربي: المكتب المركزي، بمقر دار الشباب/القدس - المدينة الجديد : فاس.

 

حول تعريف المفهوم

 

2- ما معنى "حلقة الفكر المغربي"؟:

2-1: ما معنى "الحلقة"؟:

جاء في اللسان( [1] ): "الحلقة: كل شيء استدار كحلقة الحديد والفضة والذهب وكذلك في الناس". وتدل على حالة القوة والمنعة في الاجتماع: "يقال: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أيها طرفها، يضرب مثلا للقوم اذا كانوا مجتمعين مؤتلفين، كلمتهم وأيديهم واحدة .."( [2] ).ثم اتسعوا بالاستعمال، في اصطلاحهم بهذا اللفظ، حتى قالوا: "الحلقة اسم لجملة السلاح والدروع وما أشبهها"( [3] ). ومن جملة أسلحة العصر: العلم.          

و"التحلُّق" -وهو من التفعل أي تعمد ذلك- غالبا ما يكون حول مآدب الدرس، ومن ذلك حلقات العلم. ولذلك فمصطلح "حلقة" تغلب عليه دلالة النخبوية، بالمعنى الحضاري لكلمة نخبة.وهكذا فالحلقة: تأسيس علمي تقوم به عصبة من الشباب المتنور، بلغ داخل جيله من الشباب الساعي إلى التنوير، وعيا كافيا بضرورة التأسيس العلمي والفلسفي المتجدد.

2-2: ما معنى حلقة "للفِكر"؟:

يقصد بالفكر: "اشتغال اللغة، واعتمالها، لتخرج من ذاتها معرفة ترمي الى شيء آخر غير ذاتها". وجاء في (التعريفات):

 "الفكر ترتيب امور معلومة للتأدي الى مجهول"( [4] ). وفي (الكليات)، الفكر هو: "حركة النفس نحو المبادئ"( [5] ).

وجاء في اللسان: "الفكر: إعمال الخاطر في الشيء"( [6] .

على ضوء ذلك كله، يستدعي مفهوم "الفكر"، هاهنا، جملة من المعاني، منها:

=: أن "حلقة الفكر" مدار علمي وممنهج، يستشرف مشروعا لوصف وتفسير بنيات الفكر المغربي تاريخا وواقعا.

=: يتمثـل هذا المدار الحلقي أفكارا وثقافة معلومة؛ أفقها: البعد الكوني، ومنهجها: آلة الاستيعاب التحليل والتركيب.

=: مهمة الحلقة هي إعمال الخاطر بشكل جماعي، منظم وهادف، في بنيات المفاهيم الأفكار،

   وتأملها وإعادة ترتيبها قصد الوصول الى نتائج وظيفية.

=: اشتغال الحلقة مشرع على معارف الذات: المكتوبة والمبثوثة:علما ومعارف وإبداعا وعمرانا؛ قصد مقارنتها بمعارف الآخرين.

=: مصادر الحلقة ومراجعها،أثناء الاشتغال، هم: أهل العلم والاختصاص، في شتى ضروب الفكر، في التاريخ والواقع.

 

 

 

2-3:حول  مفهوم شمولي "الفكر المغربي"؟:

في سبيل بناء مفهوم واضح ووظيفي، حي وفاعل، لفكرنا المغربي، تاريخا وواقعا-: لابد من إضاءة المرتكزات البنيوية والنظرية المتحكمة في    تراكماته. أي: لابد من تأسيس الوعي بمكوناته الكلية، الناظمة لملامحه الظاهرة والباطنة.

إن التراكم الحاصل -في التاريخ والواقع- يومئ إلى محطات مضيئة وناضجة، وأخرى ناشئة إذ ما تزال تنسج قسماتها: ما الذي يجمع بين الناضج منها والناشئ؟. ما هو المشترك الواشج بين عناصرها الأصيلة والوافدة؟. ما هو المختلف والمؤتلف؟. ما هو الهامشي والمركزي؟. ها هي عناصر        تعالقها الحضاري تاريخا وواقعا؟.

هذه الأسئلة ومثلها كثير،تحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب وتأمل وقراءة. ولعله لا يتم ذلك ولا يستطاع، سوى ببناء حالة جديدة، يستوعب من خلالها التراكم الفكري والمعرفي والإبداعي الحاصل: أفقيا وعموديا.

وبعد الاستيعاب: تتمحَّض سواعد البحث المخلصة لتحليله وتعليله. فإذا تراءت مرحلة التركيب الجديد، يُنتظر أن يمتلك المشهد الثقافي العام مفهوما واضحا ووظيفيا لفكرنا المغربي: بالعمق والرحابة الموصوفين آنفا.

 

حول تعريف المشروع

 

3- لماذا تأسست "حلقة الفكر المغربي"؟:

3  -1: في وصف الاعتبارات الفلسفية:

  كل تأسيس إنما يقام تلبية لحاجة معينة( [7] ). ولعل من أبرز دلالات ذلك، ان الهياكل مرايا تعكس كيفيات وطرائق الاشتغال قصد تلبية حاجات مرحلية معينة. ومما يعطي "للأساس" دلالة ملموسة هو ما يعقبه من معنى "البناء" الذي هو: وضعُ شيء على شيء على صفة يراد بها  الثبوت( [8] ). والانبناء يدل على سفر تكوٌن، وعلى خصوصية دور العناصر ووظيفتها في ذلك الكل المؤسس.

  وإذا كان التأسيس بطبيعته؛ يستبطن هاجس التجديد في المفاهيم والمناهج فضلا عن تجديد الأساليب، فلا ريب أنه يستشرف كذلك ضربا من الإضافة البانية انطلاقا من أنوار سابقة؛ لذلك رفع مشروع حلقة الفكر المغربي شعارا مبدئيا مفاده:

 اعتبار الموجود منطلَقا للوصول إلى المفقود، واعتبار المفقود حافزا على تعميق المعرفة بالموجود.

بهذا المعنى تمثل مرحلة البناء تعميقا لمجرى عناصر القوة والأمانة في ذلك الفكر المغربي. ولعل التعميق لا يكون سوى بالانطلاق إلى ضرب                 من التأسيس الإيجابي لا النمطي.

لقد كان  الحلم بتأسيس "حلقة للفكر المغربي" واعيا منذ البدء بكون الهياكل - في حد ذاتها- لا تصنع المؤسسة. لان هذه الأخيرة هي الأفعال               العلمية اللاحقة المنبنية على الأطروحات والمرجعيات الفلسفية السابقة. لكن لابد من هياكل وأشكال تتحقق بواسطتها المهمات والوظائف                 المنوطة بكل شكل من الأشكال. وهكذا تكون الهيكلة جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأفكار.

كما كان الحلم بتأسيس هذه الحلقة واعيا منذ البدء بكون مفهوم "الحلقية" يقتضي استيعاب خلفية سلوكية مفادها: أن أسلوب "الاحتفال"                    و"التنشيط" ليس بمقدوره إنجاز أي عمل علمي صالح ومجدي. لأن العمل الصالح في باب العلم يقوم على دراسة الظواهر الفكرية والمعرفية، وهو        متسلح بمنطق الاستيعاب والتحليل والتعليل والتركيب، هو عصب الإحاطة بواقعها وتاريخها معا، بله الإضافة عليها.

وذلك يكون ممكنا بالتفاعل مع الكليات التالية:

       أولا: إن بناء الحاضر يكون انطلاقا من استشراف المستقبل.

       ثانيا: المستقبل ُيستشرف بالمعرفة الدقيقة لتاريخ الذات وواقعها، جملة.

       ثالثا: الرؤية المستقبلية معناها: توقع الأوضاع المعرفية التي يمكن أن تترتب على تحولات الحاضر.

      رابعا: هذا الحاضر لا يكون واضحا سوى بدراسة الأسباب التقنية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية التي صنعته وتلك التي ُتسَرع من                       تطوره.

       خامسا: رهان التاريخ والحاضر والمستقبل هو رهان تاريخ وحاضر ومستقبل العلم؛ الذي هو:"بحث بمنهج ولهدف".

 

3  -2: في وصف الاعتبارات المنهجية:

 جاء في مفاتيح العلوم: (العلم بحث بمنهج ولهدف) ( [9] ). لذلك لا تكون الحلقة حية وفاعلة، ما لم تكن ذات منهج علمي واضح، وأهداف        مجتمعية راسخة.ولعل آية الحياة والفاعلية ان تملك الحلقة طموحا جماعيا إلى "معرفة الشيء (الظواهر) على ما هو عليه"( [10] ). لا كما قد                     تصوره الأهواء والمصالح أو التخيلات.

ولعل هذا هو مقتضى "العلمية" التي تُستحضر على هامش مصطلح "العلم". وهنا لابد للحلقة من استحضار دائم لمشتق آخر هو: " العالمية": فإذا                    كانت "العلمية" تدرك بالتجرد والتعلُّم واكتساب الخبرة اللازمة على يد أهل العلم، فإن "العالمية" الحقة تدرك بإرادة التعارف الحضاري.         وهكذا، فالحلقة الحية والفاعلة هي ذلك المشروع المتكامل القائم على معرفة الذات بعلم، المستشرف معرفة الغير والآخرين بعلم، من أجل  تقديم           هذه الذات إلى هؤلاء الآخرين تقديما بعلم، فيتحقق بذلك كله أفق التعارف الحضاري.

 

4: إلامَ يهدف تأسيس الحلقة؟:

يقال في هذا السياق: أهمية "الحلقة" أنها فضاء لإثارة الإنتباه لدى أجيال المثقفين- طلبة علم وباحثين وسياسيين - حول أهمية المعرفة، وأهمية                أهلها في بناء المشروع المجتمعي. بهذا المعنى كانت الحلقة حلما وإرادة، للانتقال بالمعرفة والفكر المغربيين من واقع التمذهب واليأس، الى أفق        التفهم والتفاعل المفضي إلى إعادة بناء الإنسان الجديد. أهمية الحلقة تتمثـل في جعل العلم والمعرفة كلا جماعيا تنضوي تحته الأجزاء الصغرى.

 ولوعينا بكون بناء هذه الحالة الإنسانية والمعرفية الجديدة مفتقرة منهجيا إلى تأسيس أرضية علمية أولية، تلتقي عندها كافة مكونات هذا المشهد        الثقافي والعلمي، لتتعارف بالتواصل والتناظر والتحاور في آفاق البحث الموضوعي والوظيفي عن المشترك العلمي الواشج، وعن عناصر التنوع                  المخصِّبة: إذ كل ذلك ومثله لمما يؤسس لمفهوم خصب وحي لفكرنا المغربي.

من أجل ذلك، ومن أجل ما أشبه، أُسس مشروع حلقة الفكر المغربي، تأسيسا للوعي بأسئلة المستقبل، وبناء لتصور أعمق لبنيات معرفتنا ومساراتها:                 بالأمس، واليوم، وغدا.

لابد اذن، من أفق التحليل وتعليل ثوابت هذا الفكر ومتغيراته. وخلال السير إلى ذلك الأفق، لابد من الاستفادة والانطلاق من كافة                           المجهودات العلمية، التاريخية والراهنة، التي أسهمت في فعل التحليل أو التعليل.

وابتداء، ينتظر "حلقة الفكر المغربي" أفقان متوسطان، يندرجان معا في مرحلة البناء، لكنهما -بنيويا- يتوغلان معا أيضا، في المرحلة الثالثة، والتي هي         مرحلة الانتاج. وهذان الأفقان هما:

    أ: أفق الاستيعاب: إذ لابد من بناء بيبليوغرافيات مدققة، تصف وترتب تراكمات هذا الفكر واقعا وتاريخا. فما كان موجودا منها                                         عرفناه ورتبناه، وما كان غير منجز اعتبر من اصل المهام العلمية لأجيال الباحثين. وهذه البيبليوغرافيات المنشودة                                         ينبغي لها من الشمول، بحيث تقوم على ترتيب وتبويب ووصف كل مظاهر وتجليات هذا الفكر: في علوم الانسان                                         والآداب والفنون، مع اعتبار الاهم فالمهم، ارتباطا بالمرحلة.

        بيد أن إقامة منطق الاستيعاب يشيد على أسس أربعة، لابد منها:

  • الأول: أساس المنهج العلمي:إذ إنه لا يكفي في ميدان البحث والعمل العلمي الصالح، الحديث عن المنهج كشعار نظري، بل لابد                                         من توطين الفكر وتنشئته على الحديث والإنتاج به.ولعل هذا هو ما يفضي إلى الأساس الثاني:

  • الثاني: أساس الشمول الفلسفي: سواء خلال استشراف الرؤية الواضحة لموضوعات الفكر، التي تنطلق بالضرورة من استشراف الإحاطة                                         بكلياته:ولعل هذه الخلفية الفلسفية هي مما يعطي لرباعية: الاستيعاب والتحليل والتعليل والتركيب دلالتها. وهي                                          أيضامما يحقق حلم الفهم الدقيق لحركية التاريخ والحاضر والمستقبل.

  • لثالث: أساس المفاهيم: إذ أصبح اليوم واضحا بأن ما يؤشر على أن مشروعا ما، محكوم بعلل واضحة، وسائر نحو غايات محددة، هو كونه                                      مؤسس على خلفية الوعي العميق بالمفاهيم ومركزيتها في تشكيل الفكر الإنساني، هكذا يصح أن فاعلية                                          الأجوبة العلمية متوقفة على فاعلية المفاهيم: في التاريخ والواقع.

  • الرابع: أساس العلاقة بالآخر: ذلك بأن سؤال الأسئلة الذي يطرح غالبا في هذا السياق هو: من هو هذا الآخر؟، وبم يتحدد سواء داخل                                         الذات أم خارجها؟. لأن الجواب هو من سيحدد العوامل الفاعلة في بناء العلاقة، والتعرف على اتجاه فعلها، ونوع                                          تفاعلها. وفي الأخير تظل قراءات هذا الآخر محكومة باحتياجات الذات القارئة له.

  ب: أفق التفاعل: يلاحظ أن ذاكرة العمل الثقافي بمشهدنا العام تتميز بكونها مثخنة إلى حد ما بذهنية التمذهب السلبي، ولعله لذلك نشأت                                 خلال  بعض المنعطفات بمشهدنا العام  حالة ثقافية  طفيلية، تفتقر الى القدر الكافي من التوازن والتمييز: فمن ناحية، دارت                                 دورة الزمن الثقافي المغربي ونشأت مجموعة من الجزر الثقافية والقبائل المعزولة رؤية ومذهبا. ومن ناحية أخرى، تبعثرت                                 مقومات الرؤية الواضحة والدقيقة، فضاعت معالم الواقع والتاريخ المجتمعي تحت ركام هائل من التعميمات في الأحكام،                                  وخطورة التعميم تتجلى إما في التضخيم أو التقزيم، سواء في ماهية الموجود او في علاقته بما حوله.

                         لذلك نحتاج الى بناء حالة علمية وثقافية جديدة، تلتقي عندها كافة مكونات هذا المشهد لتـتواصل وتتحاور وتبحث                           عن المشترك الواشج بين عناصرها الأصلية والوافدة. حوار مكونات هذا الفكر معناه: ان ليست ثمة جهة تملك                                 وحدها حقائق الأشياء والعلاقات. وان هذه الحقائق مبثوثة بنسب متفاوتة بين شتى الاتجاهات العلمية المتسلحة بمعرفة الذات                                  والآخر على حد سواء.

 

د. سلام أحمد ادريسو

المنسق العام لحلقة الفكر المغربي

المكتب المركزي

فـــــاس


 

[1] - يراجع اللسان: ج 10 ص61-64 .و الكليات: ص 409.

[2] - اللسان ج10 ص 62

[3] - نفسه.

[4] - التعريفات 191

[5] - الكليات 697

[6] - اللسان ج5 ص65

[7] - التعريفات ص59 - مفاتيح العلوم الانسانية، ص420

[8] - الكليات 450

[9] - مفاتيح العلوم الانسانية 289-التعريفات 176

[10] - نفسه.

 
 
 

       
 

®الحقوق محفوظة لموقع حلقة الفكر المغربي