مفاهيم الإتجاه الفلسفي في النقد العربي

 

 

الإهــداء

إلــى

 أولئك  البَاحثين  النَّاشئين

الذين شَقُّوا رحلة التَّكوين الذَّاتي

مُسَلَّحين  بكِبريَاء العِلم. .

و بِعُزلتهم عن صَخب الأَضواء. .

 

 

تـــصـــديـــر

1: موضوع ال1-مدار البــحــث:

1-1: المدار العام:

أصل هذا الكتاب، أطروحة جامعية، نوقشت بكلية الآداب بفاس سنة 2003.

ولا بد من القول ابتداءً بأن مراحل الإنجاز مرت في سياقات ذاتية وموضوعية دقيقة، إذ كان الهدف من الانخراط في بناءها منذ البدء هو تلبية عدد من الاحتياجات الفكرية والمنهجية الخاصة ؛ لقد أدركت مع مرور الوقت وتراكم التجارب أن مما يتطلبه بناء حاضر الذات المعرفية وغدها_سواء كانت مفردة أم بصيغة الجمع_؛ وذلك قصد استشراف مآلاتها، هو الانخراط أولا في بناء صورة مفهومية، لنسقها المعرفي الذي يمكن اعتباره بمعنى ما جوهرها المركزي. وإنه ليكادُ يصبح من المسلمات اليوم، كون البحث في المفاهيم، تاريخا وواقعا، هو بمثابة البحث في قلب الإشكال المعرفي والحضاري لثقافة ما. بقدر ما أن الحرص على الانخراط بمسارات البحث العلمي في قضاياه الكلية والجزئية، هو بمثابة المقدمة الضرورية للانخراط في مسار التعرف على مستقبلياتنا الثقافية بِعلم. ولذلك يُفترض اليوم، بأن مشروعا علميا لا يضع في طليعة خطاطاته الأولية مرحلة البحث في المفاهيم؛ هو مشروع يكاد يكون شأنه شأن القافز إلى فراغ معرفي بهيم، تتقاذفه فيه أذناب القراءات، وتتخطَّفه فيه ذئاب التأويلات.

كما أفترض أنه أصبح من قبيل المسلمات اليوم، كون تأسيس الوعي بقضية البحث في المفاهيم ومصطلحاتها، على خلفية أشمل منها، هي الوعي بالبعد "النسقي"( [1] ) المعرفي الشامل للمسألة المفهومية المصطلحية. فيقتضي ذلك _ضمن ما يقتضيه_: تأسيس الوعي، بعلاقة جدلية حيّة بين كافة إشكالات المفاهيم والمصطلحات وبين كافة الإشكالات الثقافية والإيديولوجية والمعرفية للذات: في التاريخ والواقع.

هذا فضلاً عما أصبح عليه الوعي الثقافي اليوم قويا بكون المفاهيم ومصطلحاتها تمثل مفاتيح "التعامل في الحياة اليومية والعملية"( [2] )، فضلا عن كونها الأساس "في بناء النظريات والمناهج والنماذج في الحياة العلمية"( [3] )، وأنها تُشكِّل مفاتيح العبور إلى عمق الذات بكُلِّيَّتها، ما دام تاريخنا العلمي والثقافي قادرا على تشكيل مآلات ذاتنا( [4] ).

ولاعتبارات عديدة، وخلال مرحلة فكرية معينة، اخترت أن يكون بحثي في "مفاهيم الاتجاه الفلسفي في النقد العربي بالمغرب الوسيط؛ إذ هي من جهة، تمثل ركنا أساسيا ضمن الصورة المعرفية للذات العربية الإسلامية. وهي من جهة ثانية تمثل مرآة فلسفية صقيلة يطل عليها النقد العربي بالمغرب المعاصر؛ من أجل استكناه جزء أساسي من هويته كنقد. وهو لذلك مدار إشكالي ومتشعّب. ولعل هذا ما جعل لهذه المحاولة من البحث هموما تتجاوز النقد إلى ما هو أوسع من النقد. لذلك لابد من الإشارة إلى أن ما تطلعت مراحل الدراسة إلى استشرافه ومقاربته، منذ بداياتها الأولى، لا ينحصر فقط في تفكيك "المدرسة الفلسفية" بالغرب الإسلامي الوسيط واختبار مدى صحة فرضية الأثر الفلسفي والمنطقي/الرياضي فيها، بل يتجاوز ذلك محاولة البحث في طبيعة الدور المعرفي للذوات( [5] ) العربية والإسلامية المتفاعلة مع الفلسفة والمنطق والرياضيات بذلك الغرب الإسلامي الوسيط، في تشييد "اتجاه" جديد وذهنية جديدة للتعامل مع العلوم العربية الإسلامية ومنها النقد البلاغة؛ مع عدم الادعاء بالقدرة على بناء أجوبة فاصلة في هذا الباب.

 

ومن أهم الاعتبارات الكلية التي تجعل مدار هذا البحث موثوق الصلة بكل ذلك:

أ: طبيعة مفاهيم الفلسفة: من حيث كونها تطلّ ابتداء، ضمن هذا البحث، على إشكال التّماس ثم التفاعل بثقافة توصف بكونها ثقافة الآخر القديم من قبل مدارات الثقافة العربية الإسلامية القديمة. ثم هذا التماس الثقافي يطلّ على إشكال آلات التفاعل ومسالكه، ونتائج هذا التفاعل ومجالاته. ثم هذه المجالات تطلّ على إشكال المصادر والخلفيات الثقافية والحضارية التي منها نبع ووفد هذا المصطلح. كما تطلّ على إشكال المصبّات المعرفية التي إليها وفد، وبها انصهر، وفيها أعيدت صياغة النشأة الأولى، ومنها تم تأسيس طبائع جديدة له؛ إن هي وُجِدت.

وفي بحر العلوم العربية الإسلامية، تبدو الصورة مركبة؛ إذ يترائى مصب الفقهيات غيره مصبّ النقديات، غيره مصب اللغويات، غيره مصبّ التاريخيات، غيره مصبّ السياسيات، غيره مصبّ الفلسفيات ومنها المنطقيات والرياضيات. ومع ذلك فلابد وأن يكون المرء واعيا بما لتفاعل تلك المجالات وتكاملها من تأثيرات، في بنية المعرفة العلمية بالغرب الإسلامي الوسيط على الخصوص. هذا فضلا عن الوعي بأن هذه الطبائع الجديدة، والمحتملة، تطلّ على ما أشْعَلَ النقاش المعاصر، حول إشكال الأصالة والحداثة وحدودهما ضمن تلك الهوية، وحول إشكال "الإشكالات الثقافية والحضارية" المحلية، التي وظِّف المصطلح الفلسفي - المنطقي والرياضي - لمعالجتها.

ب: تاريخ مفاهيم الفلسفة: من حيث كونه يطل، ضمن هذا البحث، على إشكال النشأة ومتى تم وفي أي سياق حدث؟. ثم هذا النشوء الحادث والمتوغل في نسيج الثقافة الأصيلة، يطلّ فيه على إشكال النضوج والاستواء، وهو إشكال يؤشر على مراحل بكاملها فيما قبل تأسيس اللغة الفلسفية وما بعدها، وتلك لغة كان للمصطلح والمفهوم الفلسفيين إسهام قوي داخل نسيجها، انطلاقا من نهاية القرن الثالث الهجري، على الأقل، إلى غاية نهاية القرن الثامن الهجري على الأقل أيضا. ثم هذه المراحل المقطوعة من التأسيس، تطل على إشكال حجم هذا التأسيس فيما بين شرق الثقافة العربية الإسلامية وغربها عموما، وفيما بين شرق الفلسفة الإسلامية وغربها على وجه الخصوص. ثم هذا الامتداد في المكان يطلّ على إشكال الخصوصية والمغايرة في ذلك التأسيس الفلسفي للمصطلح، فيما بين إسهامات رواد التفكير الفلسفي شرقا وغربا.

ج: طبيعة "الاتجاه الفلسفي": من حيث كونها في الغالب، ضمن هذا البحث، ذات سمات منطقية برهانية رياضية، وذات غايات تتجاوز المنطق والرياضيات في ذاتهما لتصبّ في مشاغل ثقافية وإيديولوجية مفترضة، لكنها تبقي مع ذلك، متفاعلة ضمن مدارين:

أولهما: مدار منطق التصورات على الخصوص، بإزاء المنطق الرياضي القديم: وهذا يطلّ على إشكال قراءة أرسطو وتلامذته من قبل رواد هذا الاتجاه، وإشكال قراءة الرياضيات القديمة؛ وإن تأمُّلاً في هذين الإشكالين يمكن أن يجيب عن سؤال طبيعة تلك القراءة: هل كانت قراءة تكرارية اجترارية، أم قراءة تفسيرية تأويلية، أم قراءة قطيعية تشييدية؟.

وثانيهما: مدار المنطق الداخلي للعلوم العربية الإسلامية وفي مقدمتها هاهنا؛ النقد والبلاغة: وهذا يطلّ تاريخيا على إشكال نتائج قراءة أرسطو وتلامذته، ثم نتائج قراءة الرياضيات القديمة على المعرفة النقدية والبلاغية الأصيلة. وهذه النتائج المحتملة تطلّ على إشكال وضعية النقد والبلاغة العربيين بالغرب الإسلامي الوسيط، بعد تفاعلهما مع هذا المنطق الرياضي ومنطق التصورات. بل إنه يطل تحديدا على وضعية أساليب البيان العربي بعد أن عُرّفت تعريفا منطقيا، وصُنِّفت تصنيفا تجنيسيا مقوليا، أو حللت تحليلا رياضيا تنسيبيا: هل تغيّر "جوهر" تلك الأساليب؟. هل أضافت "الحدود المنطقية" لأساليب البيان العربي بُعداً جماليا أو مفهومياً جديدا؟ هل عمقت نظرية التناسب الرياضية من خصوبة تلك الأساليب؟. هل أُضيفت قواعد حادثة غير معروفة، إلى ما كان معروفاً منها قبلُ؟. هل وسّع المصطلح الفلسفي/المنطقي/الرياضي من حدقة البلاغة والنقد العربيين، فتمّ بذلك إثراء مفهوم "الحقيقة الشعرية" العربية، في مقابل "الحقيقة المنطقية"، أو "الحقيقة الرياضية"؟.

 

د: تاريخ "الاتجاه الفلسفي":

د-1: وهذا يطلّ ابتداءً على إشكال حيّز المشروع الفعلي الذي يمكن أن تصدُق عليه هذه التسمية. إذ اصطلاح "الاتجاه الفلسفي" المشَغَّل في أثناء هذا الكتاب، يشير إلى حالة معرفية مخصوصة مارست فاعليتها العلمية ضمن مرحلة تاريخية مخصوصة هي القرن السابع والثامن للهجرة. وضمن مدار جغرافي مخصوص هو مدار الغرب الإسلامي (المغرب الأقصى أساسا والأندلس). وضمن مدار علمي مخصوص هو مدار النقد والبلاغة المغربيين. وضمن جيل مخصوص يجمع أسماء مخصوصة، ذات مكونات وخلفيات معرفية وثقافية مخصوصة؛ ولعل من أبرز أفراده وأكثرهم تمثيلية في هذا البحث: أبو محمد القاسم السجلماسي، وابن البناء العددي المراكشي، وحازم القرطاجني الأندلسي.

د-2: والحقيقة أن تسمية "الاتجاه الفلسفي"، تشير مفهوميا إلى أوسع من حيّز حالة "الاتجاه الفلسفي" المبيَّن أعلاه: فمن جهة؛ تطلّ التسمية على إشكال مدار الجهاز المفهومي المتحكم في توظيفات هذا الاتجاه؛ ذلك بأن هذا المدار لم يستوعب فضاء الجماليات العربية فحسب، بل امتد إلى استيعاب فضاءات معرفية تشمل اللغويات والتاريخيات والشرعيات، وهكذا فإن قطر هذه التسمية يطل على أبعد من مجرد الحيّز الزمني الممتد ما بين القرن السابع والثامن، اللذين يحيلان على المدرسة المنطقية في البلاغة والنقد في بعدها المغربي.

1-2: المدار الخاص:

إذا كانت الخلفية المنهجية لهذا البحث، حتمت عليه ألا ينظر إلى تجربة نقدية فلسفية متميزة كالتي لدى بعض رواد هذا الاتجاه، معزولة عن الفكر الذي أنتجها والتيار الذي أطرها، فإن مقتضيات الدراسة المفهومية للظاهرة حتمت عليه أن يفرغ مجهوداته الميدانية والتطبيقية على تجربة اصطلاحية خاصة، وذلك عبر اتجاهين:

أ:  محاولة أولية لاستيعاب كليات وقضايا المفهوم والمصطلح الفلسفيين الملحين في سياق مشروع الاتجاه الفلسفي بالمغرب الوسيط عموما، وبعض رواد هذا الاتجاه تخصيصا: لقد حاول هذا البحث أن يخوض تجربة الدراسة المصطلحية الفلسفية برؤية نسقية تزاوج بين الحفر العمودي في بنية المفهوم الفلسفي(المنطقي والرياضي)، وبين محاولة استشراف ثُلة من الفرضيات المتعلقة بتفاعلات هذا الضرب المخصوص من المفاهيم العلمية لدى رواد هذا "الاتجاه"، مع مشروع بعض رواده وآثارها المحتملة فيه.

ولعل هذا الاستشراف الوصفى النسقي هو مما جعل البحث ينزع باستمرار إلى ملامسة جملة من القضايا والإشكالات (المفهومية أو المرجعية أو المصطلحية أو التصورية الكلية) التي وجد أنها تتميز عن غيرها بإمكانات الارتباط العضوي أو القريب من الإسهامات المصطلحية والمفهومية البارزة في كتاب المنزع. وهكذا كان أبرز ما مُسَّ مساًّ موجزا من تلك القضايا في هذا البحث:

+: إشكال الخلفيات البرهانية في مشروع رواد الاتجاه الفلسفي - مرجعيات ومفاهيم وحدودا - وفي مقدمتهم تجربة السجلماسي.

+: إشكال الخصائص الكلية للمفهوم والمصطلح الفلسفي - توثيقا وطبيعة ووضعاً - في تجربة رواد "الاتجاه الفلسفي"، وفي مقدمتهم تجربة السجلماسي مع مشروعه في "تفهيم" الصناعة البلاغية الكاملة.

+: إشكال الخصائص الجزئية والكلية لنظرية التعريف - خلفيات ومفاهيم، تأسيسا وتوظيفا - في تجربة رواد "الاتجاه الفلسفي"، وفي مقدمتهم تجربة السجلماسي.

ب: تفكيك الجهاز المفهومي المصطلحي لكتاب المنزع البديع: باعتباره نموذجا قوي التمثيلية لهذا الاتجاه، وميدانا قوي الدلالة على تشغيل النسق المفهومي الفلسفي الإسلامي: وهكذا كانت المفاهيم والمصطلحات الفلسفية - والمنطقية/الرياضية منها على وجه الخصوص - هي البؤرة المركزية التي دارت حولها رحى الدراسة المصطلحية، على اعتبار أن هذا الضرب من المفاهيم والمصطلحات الفلسفية هو من أبرز ما ميّز تجربة الرواد الاصطلاحية، من خلال كتاب "المنزع". وقد كان ذلك هو مدار الجزء الثاني من هذا الكتاب.

ونظرا لكون المفاهيم المنطقية، في هذا المشروع الخاص، هي الموجه الأساسي والمستمر له سواء على مستوى النظر أو التطبيق، فإن مدار البحث الميداني اتسع قليلا؛ عبر ملحق ثالث؛ ليشمل تجليات تلك المفاهيم المنطقية في مسالك البلاغة العربية. وهكذا كانت المصطلحات النقدية والبلاغية المستهدفة للدراسة المصطلحية، هي من جملة تلك النماذج المصطلحية التي مثلت إلى حد ما المرآة العاكسة لحضور المصطلح الفلسفي والمنطقي/الرياضي، في أعمال الرواد ومن خلال كتاب المنزع، إما حضورا اسميا ومفهوميا، أو حضورا مفهوميا فحسب. وهذا مكانه هو الجزء الثالث من الدوافع الخاصة.


2: دوافع ال2-دوافع البـــحـــث:

إن نزوعي المبدئي إلى تعميق مجرى علاقتي بمفهوم المعرفة العلمية للذات العربية الإسلامية، التي هي مرآة الذات الجماعية؛ هو الذي حكمَ انخراطي في مدارات المفهوم الفلسفي، خلال مرحلة من نهاية الثمانينات ومفتتح التسعينات. ومن هنالك كان مشروعه العلمي في الاهتمام بالمفاهيم الفلسفية ومصطلحاتها، علما بأنه كان لهذا الاختيار صعوبات - لعل أبرزها تشخَّص منذ البدء في كيفية استيعاب أن مقاربة البحث في ميدان المفاهيم والمصطلحات أياًّ كان، لابد وأن تكون بِعِلم، وأن هذا العلم لابد وأن ينطلق على ضوء المنهج أولاً، وأن المعرفة بالمفهوم ومناهج مقاربته، لابد وأن تكون مستمدة من مصادرها العلمية الموثوقة.    

وفي بداية التسعينات، استوى الوعي من اقتناع معرفي بأن خطوة البدء، من نقطة تماسّ ذاتنا الفلسفية مع الآخر يجب أن تكون، ومن نقطة تماس منطق الذات مع منطق الغرب القديم يجب أن تنطلق، وفي زاوية المفاهيم الفلسفية (المنطقية والرياضية) ينبغي أن تُعمَّق ما أمكن، ومن سياق معرفي وثقافي يضيء - أكثر ما يضيء - عتمة التفكير المنطقي والرياضي المغربي الوسيط في تفاعلاته المنهجية البارزة، فكان ذلك متحققا في دراسة المفاهيم الفلسفية المنطقية والرياضية المشغّلة في مدار معرفي، هو من صميم اهتماماته، ذلكم هو مدار البلاغة والنقد، وضمن مدار تاريخي وجغرافي يمثل مجالا لازدهار الفكر الفلسفي، المنطقي والرياضي العربي؛ ذلكم هو مدار الغرب الإسلامي الوسيط خلال القرنين السابع والثامن الهجريين. وبذلك كان اللقاء بمفاهيم الاتجاه الفلسفي في النقد العربي بالمغرب الوسيط، من خلال كتاب "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع"، لأبي محمد القاسم السجلماسي متفاعلا بأبرز رواد المدرسة المنطقية آنذاك، كحازم القرطاجني وابن البناء العددي المراكشي وغيرهما.

ومما عضّد من هذا الاختيار:

أ: وضعية الفلسفة في الوعي الثقافي العام: وهي وضعية تتَّسِم غالبا بكونها متلبّسة بواقع الشك والتوجس التاريخيين، الناتج عن تصادم المرجعيات، وسوء الترجمات، وما قد يكون من محدودية القراءات، بَلْهَ ذلك الاقتران التاريخي للفلسفة، في الوعي الجماعي العام، بمعنى الصراع مع الغرب؛ القديم منه والحديث، كل ذلك مما جعل من الدرس الفلسفي عموما، ومن درس المصطلح الفلسفي خصوصا، جزءاً حسّاساً، يعكس أكثر ممتلكات الذات إشكالية وصعوبة. لقد وُجد أن هوية المصطلح الفلسفي، ووضعيته الراهنة ضمن نسيج الذهنية الثقافية العامة، ما تزال، على الأرجح، في حكم المجهول الذي لم يُعرف شأنه بعدُ: هل هو من الذات أم هو مجرّد ربيب طارئ على الذات؟. ولم يُعرف، على وجه التحديد؛ هل البحث فيه بحث في شؤون الذات، أم هو بحث خارج - أو ينبغي أن يكون خارجا - عن اهتمامات الذات، وأن البحث فيه، قد يكون من باب صرف الطاقات في غير ما هو مطلوب في مشروع إعادة البناء العلمي للذات. لذلك كان مما عضد اختيار الباحث الناشئ في هذا المدار؛ هو أفق البحث المستقبلي عن زوايا نظر جديدة إلى تراثنا الفلسفي (المنطقي/الرياضي) الإسلامي، تجعل بوابة المصطلح معبرا أساسيا لتشييد خصوصياتها.

ب: وضعية المفهوم والمصطلح الفلسفيين في فضاء النقد والبلاغة العربيين: وهذه قد تتجلى في:

أولاً: أن مفاهيم الفلسفة (متجسدة في مفاهيم المنطق والرياضيات على الخصوص) عرفت طريقها إلى بيئة النقد والبلاغة العربيين، بدرجات متفاوتة، سواء على مستوى حجم ولوج تلك المفاهيم لمدار تلك البيئة، أو على مستوى كيفيات ذلك الولوج ومراحله وأطواره، ثم دور النقاد والبلاغيين في أثناء كل ذلك.

ثانيا: أن مفاهيم الفلسفة ومصطلحاتها (متجسدة في مفاهيم المنطق والرياضيات ومصطلحاتهما على الخصوص) وقد عرفت طريقها إلى بيئة النقد والبلاغة بالغرب الإسلامي الوسيط، كانت غالبا في وضعية مفهومية ناضجة: وهذا يعنى أنها - قبل أن تجد لها موطئ قدم راسخة داخل هذه البيئة، خلال القرنين السابع والثامن للهجرة - قطعت حقبا كاملة من سيرورة النشوء ثم التكوّن ثم النضج ثم الاستواء. ثم إن هذا الاستواء المفاهيمي المنطقي/الرياضي كان بدوره مرآة لاستواء أشمل داخل حيّز الخطاب الفلسفي ذاته.

وهذا - ومثله -  هو مما سينعكس في ظواهر أبرزها: أولا: استواء تكوينية المعجمية الفلسفية الإسلامية مع بزوغ القرن السابع على يد سيف الدين الآمدي - مشرقا - وابن البناء المراكشي العددي - مغربا - وذلك تأسيسا على مجهودات سابقة تؤول بعيدا إلى غاية مجهودات جابر بن حيان في مجال الحدود. ثانيا: استواء اللغة الفلسفية ونضجها بالتأصيل، إلى غاية القرن السادس، مع مجهودات ابن رشد ثم ارتدادا نحو مجهودات الغزالي فابن سينا ثم الفارابي الذي - لعله - مثلّ الصرخة الأولى لاستواء اللغة الفلسفية خلال القرن الرابع الهجري.

ج: وضعية دراسة المفهوم الفلسفي داخل بيئة الباحثين في شؤون المصطلح: لقد تم تأسيس الوعي بأهمية وخطورة الدراسة المفهومية/المصطلحية في المشهد الثقافي العربي عموما، وضمن بيئة الباحثين اللسانيين والمصطلحيين على وجه الخصوص. لكن الأغلب أن وضعية المفهوم الفلسفي - المنطقي والرياضي على الخصوص - في واقع مشروعات هذه البيئة لمّا تتضح بعدُ بالقدر الكافي. ولذلك - وبعد نضج الوعي بضرورة إيجاد التصور النسقي الشامل للوضع المصطلحي عموما، ووضع المصطلح الفلسفي خصوصا - أصبح الوعي المنهجي قويا عند الباحث، بأمور مبدئية تتجاوز حتماً طاقة الفرد الواحد، كما تتطلب الدعوة إلى اعتمادها ضمن مشروع جماعي منظّم وهادف، فلزم بعد الوعي؛ التنويه:

أولاً: بضرورة الإعداد العلمي الشامل للنص التراثي الفلسفي (المنطقي والرياضي على الخصوص).

ثانيا: بضرورة الإعداد العلمي الشامل للمفهوم التراثي الفلسفي (المنطقي والرياضي على الخصوص) ومصطلحاته، وكل ذلك من مستلزمات الوعي بوجود نسق ثقافي علمي متكامل يقف خلف ذلك الجهاز المصطلحي المنطقي والرياضي.

وبعد الانطلاق إلى استيعاب ما تم إنجازه في ميدان دراسة المفهوم الفلسفي ومصطلحه في "المنزع البديع" دراسة وصفية أولية، وُجد أن ذلك يكاد أن يكون نادرا في الساحة العلمية، ولعله يكاد يكون معدوما فيما يتعلق بدراسة الجهاز المفهومي المنطقي والرياضي لدى رواد الاتجاه الفلسفي في النقد العربي بالغرب الإسلامي الوسيط، وذلك في حدود المعلومات المتوفّرة لهذا البحث. وحيث إن الأعمال الأكثر تمثيلية لهذا الاتجاه قد حُقِّقت من قبل وأخرجت من الظلمات إلى النور، وحيث إنها وُظِّفت لأضرُبٍ عدّة من التحليل النظري والنقدي، قبل أن تُدرسَ مفاهيمها - خاصة منها المفاهيم المنطقية والرياضية - في أفق معرفة واقعها الدلالي؛ فقد وُجدت الحاجة، عند الباحث، إلى مقاربة الواقع الدلالي لنموذج من ذلك الجهاز المفهومي المنطقي العام، وذلك من خلال تنفيذ محاولة أولية لدراسة مصطلحية وصفية مقارِنة، لواحد من أكثر المصادر احتواء على مفردات ذلك الجهاز المفهومي المنطقي والرياضي، فكان موضوع تلك الدراسة المفهومية في الجزء الثاني من هذه الدراسة، هو كتاب "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع"، لأبي محمد القاسم السجلماسي.

ولقد زاد من قوة هذا الطموح؛ كون هذا المَصدر المُصطلحي الفلسفي، لم يكد يتعرّض عربيا لأي ضرب من أضرب الدراسة المفهومية المصطلحية الوصفية الشاملة، ولهذا اعتُبر كتاب "المنزع البديع" مصدرا هاما للمصطلح المنطقي والرياضي الذي شُغِّل في بيئة البلاغة والنقد العربيين ضمن الفترة التاريخية الموصوفة. ومن نفس الزاوية اعتُبِر هذا المصدر الهام جزءا من منظومة اصطلاحية منطقية رياضية يجسدها رواد الاتجاه الفلسفي بالغرب الإسلامي خلال الفترة الوسيطية الموصوفة أيضا.

وبعد الطموح إلى بناء شجرة شبه شمولية لهذه المفاهيم الفلسفية، المشغّلة في كتاب المنزع - ثم بناء مُلحقٍ مقارن بجملة من مصطلحات النقد والبلاغة ومفاهيمهما، المتفاعلة مع مصطلحات المنطق والرياضيات ومفاهيمهما ضمن نفس الكتاب - : يتطلّعُ الطموح إلى الانخراط، بهذا المشروع العلمي، في مشروع أشمل؛ لعله يتجسد في بناء نظرة مستقبلية للاتجاه الفكري الذي ينتمي السجلماسي إليه، تقوم على إمكانية الاستفادة من كلياته قصد تجديد المنهج والرؤية إلى مفهوم القضية الاصطلاحية من زاوية فلسفية معاصرة.

ومما قد يتمّ به مثل هذا الاستشراف:

أ: مقارنة كليات هذا الاتجاه، مع نُظم منطقية ورياضية ومعرفية معاصرة، قصد تمييز الذات: معرفيا، ولغويا.

ب: بناء معجم كلّي مفهرس، لمفردات جهازه المصطلحي، المنطقي والرياضي، موصولاً بأفق:

أولا: الإسهام المستقبلي في إنجاز المعجم المفهرس لألفاظ الاتجاه الفلسفي في النقد والبلاغة العربيين، قديماً وحديثاً.

ثانيا: الإسهام المستقبلي في إنجاز المعجم المفهرس لألفاظ الاتجاه الفلسفي في بيئات أخرى مثل بيئة النحو وأصول الفقه والتاريخ وعلم العمران والسياسة والفلسفة ذاتها. وعسى أن يكون موضوع البحث الراهن، أرضية أولية لأفق الانخراط في بناء المعجم المفهرس أعلاه.

ثالثا: الإسهام المستقبلي في تنفيذ خطوة ما من مشروع المعجم الشامل لألفاظ النقد العربي القديم، تاريخا وواقعا.

رابعا: الإسهام المستقبلي في تنفيذ خطوة ما من مشروع المعجم الشامل لألفاظ الفلسفة الإسلامية، تاريخا وواقعا.

ه: الإسهام المستقبلي في تنفيذ خطوة ما، من مشروع المعجم التاريخي المفهرس لألفاظ اللغة العربية.

هذا وبما أنه من المؤكد أن الطاقة الراهنة للباحث - ولربما مستقبله العلمي كله -  قد لا يتسعان لاستشراف كل تلك الآفاق المستقبلية، فإنه من البديهي اليوم أن يكون كلّ ما عساه أُنجِزَ في طيات هذا الكتاب؛ "لا يُفسّر كل شيء" ( [6] )، وتحديدا في آفاق دراسة التجربة المغربية الوسيطية الموصوفة، وذلك في علاقتها بالاتَّجاه (المنطقي الرياضي) الذي تنتمي إليه بمداراتها المستقبلية. ولذلك فعسى أن يكون ما انتهت إليه هذه المقدمة من التأصيل - إشكالات وخلاصات -  "منطلقا لتفسيرٍ أكمل"( [7] ).   

3-محتوى الكتاب:

بعد مرور البحث، جملة، بكافة مراحل الإنجاز: أفضت البنية العامة إلى إنجاز سبعة أقسام تتوزعها ثلاثة أجزاء، عدا المقدمة والخاتمة. على أن الجزء الأول من هذا البحث عكس مقاما نظريا: دارت رحى البحث فيه حول جملة من الكليات والقضايا النظرية والمفهومية، أثارتها سيرورة البحث الفلسفي والاحتكاك المصطلحي التطبيقي الطويل بتجربة الاتجاه الفلسفي.

وأما مكوناته العامة فهي:

أولا: التمهيد: وهو عبارة عن مدخل منهجي، خُصص لمحاولة تعليل أطروحة الاستيعاب المستقبلي الكلي لتجربة رواد الاتجاه الفلسفي في علاقتها بالنسق المنطقي الرياضي الذي تنتمي إليه.

ثانيا: القسم الأول: وخُصص لمحاولة الإجابة عن الإشكالات المفهومية والمرجعية التي يطرحها مشروع  الاتجاه الفلسفي. وفيه:

الباب الأول: وخصص لمحاولة الإجابة الموجزة عن فرضية الوجود المفهومي والموضوعي لظاهرة "الاتجاه الفلسفي" في النقد والبلاغة العربيين بالغرب الإسلامي، واحتمالات تميّز هذا الغرب الإسلامي بهذه المدرسة المنطقية في النقد والبلاغة في القرنين السابع والثامن الهجريين، على يد روادها التاريخين، حازم القرطاجني، وابن البناء المراكشي العددي، وأبي القاسم السجلماسي.

الباب الثاني: وخصص لمحاولة الإضاءة الموجزة لفرضية الخلفيات التي وجهت شراع التفكير المنطقي والرياضي والنقدي ، وهكذا انطلق الوقوف المفهومي من البعد البرهاني الرابض خلف "منطق التصور"في الخطاب الفلسفي والنقدي العربيين. وفي هذا السياق سعى هذا الباب إلى استيعاب مقالات أبرز الدارسين للتجليات الشمولية للبرهان الفلسفي وتفاعلاته العلاقية مع خطاب البلاغة والنقد من زاوية تنظيرية.

الباب الثالث: وخصص لمحاولة إضاءة أبعاد برهانية مخصوصة، في الخطاب النقدي والبلاغي لدى الرواد الثلاثة للاتجاه الفلسفي: وضمنها تم التوقف الموجز - أولاً - أمام مفهوم البلاغة النظرية وامتداداته التطبيقية عند حازم القرطاجني وابن البناء والسجلماسي من خلال مقالات ثلة من الدارسين، ثم الوقوف المركز - ثانياً - عند الملامح العامة لنظرية الشعر عند حازم القرطاجني، ثم عند الأبعاد الوظيفية للمنطق الرياضي البرهاني عند ابن البناء العددي، ثم أخيرا عند أبرز ملامح أطروحة التناسب الرياضي في مشروع السجلماسي بأهم امتداداتها النظرية والتطبيقية.   

ثانيا: القسم الثاني: وخُصص لمحاولة الإجابة الموجزة عن أبرز الإشكالات المعجمية والمصطلحية التي يتقاطع مشروع بعض رواد الاتجاه الفلسفي الإسلامي، وذلك في علاقته بجهتين: الأولى: جهة رواد المعجمية الفلسفية الإسلامية السابقين عليه، باعتبارهم المؤسسين الأوائل لفعل الاصطلاح الفلسفي. والثانية: جهة مكونات "الاتجاه الفلسفي"، باعتبارها من بين المسهمين الأساسيين في بناء الوعي بمدار المصطلح الفلسفي في النقد والبلاغة بالغرب الإسلامي الوسيط. وبذلك تشكل هذا القسم من فصلين:

الباب الأول: وخصص لمحاولة التأريخ الموجز لتكوينية المعجم الاصطلاحي المنطقي الإسلامي، وضمنها حاول هذا الباب تشخيص مظاهر استواء المعجم المنطقي الاصطلاحي الإسلامي عند أبرز أعلامه وهم سيف الدين الآمدي في المشرق، وابن البناء العددي بالمغرب، وحاول هذا الباب الوقوف المركز على أبرز ملامح هذا المعجم من حيث بنيته التصورية والاصطلاحية والمفهومية، متوخيا الإيجاز ما أمكن.

الباب الثاني: وخصص لمحاولة التعيين الموجز، لأبرز الإشكالات الكمية والنوعية التي أثارها مشروع السجلماسي في ميدان المصطلح الفلسفي مقارنة مع شريكيه في تشييد القضية الاصطلاحية بالغرب الإسلامي؛ حازم وابن البناء. ولعل أبرز ما وقف عليه هذا الباب بصدد ذلك: طبيعة المصطلح الفلسفي، وكيفيات وضعه وكمياته، وأصوله وطرائق توثيقه عند رواد الاتجاه الفلسفي عموما، وتجربة السجلماسي خصوصا.   

ثالثا: القسم الثالث: وخُصص لمحاولة الإجابة الموجزة عن أبرز الإشكالات التصورية الكلية، المرتبطة مع بناء التصورات المنطقية، والتي أثارها مشروع الاتجاه، في علاقته مع "نظرية التعريف" المنطقية الإسلامية، وذلك من خلال مشروع تجنيس الأساليب، الذي هو جزء من مشروع تعريف وتفهيم أجزاء الصناعة الكاملة في كتابه: "المنزع البديع". وبذلك تكون هذا القسم من:

الباب الأول: وخصص لمحاولة التحقيب الموجز لنظرية التعريف المنطقية، من زاوية نظر مفكري الإسلام مقارنة بأصولها في فلسفة أرسطو، وخاصة في إشكال بناء الحد المنطقي للمفهوم: أولاً: اعتبارا لإمكانية قدرتها على توضيح بصمة هؤلاء المفكرين وإضافتهم النوعية في إشكال التفاعل مع أجزاء منطقه الصوري في عموميته. وثانياً: اعتبارا لاحتمال تمثيلها للخلفية المعرفية لمشروع تعريف الأساليب لدى السجلماسي، مع الاعتراف بأهمية التطويرات والتعديلات النوعية التي أحدثها مفكرو الإسلام من بعد.

الباب الثاني: وخصص لمحاولة التفكيك البنيوي المقارن لأبرز خصوصيات "نظرية التعريف"عند أبرز مفكري الإسلام، كابن سينا والغزالي وابن تيمية وابن البناء، لكونهم من أبرز الذين مثّلوا المؤشرات الموضوعية لتميز هذه النظرية وانزياحها العميق عن أصولها الأرسطية، وخاصة في إشكال بناء الحد والرسم المنطقيين سواء للمفهوم أو المصطلح.

الباب الثالث: وخصص لمحاولة الوقوف الميداني على أبرز بصمات "نظرية التعريف" بالتَّجنيس، في مشروع رواد "الاتجاه الفلسفي" بشكل عام، ومشروع السجلماسي على وجه الخصوص. وقد استدعت هذه المقارنة الداخلية بين إنجازات الرواد الثلاثة للاتجاه، مقارنة خارجية مع منطق التجنيس عند أرسطو وتلامذته اعتبارا لكونهم - على خلاف نظرية الحد - مارسوا ضربا من الحضور في تجربة السجلماسي على الخصوص.

وبهذا القسم تنتهي مفردات الجزء الأول بفصولها النظرية التأصيلية، لينطلق البحث إلى الشق التطبيقي الميداني، الذي تميز - في الجزء الثاني - بانكبابه الكامل على دراسة مصطلحات الفلسفة، المشغّلة ضمن نموذج مصطلحي بارز، يحظى بقوة تمثيلية عميقة لكل ما تمت إثارته ضمن الأقسام النظرية الثلاثة؛ ذلكم هو كتاب السجلماسي: "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع". وهذا مكانه الجزء الثاني.

رابعا: الخاتمة: وخُصصت لما تُخصص له الخواتم من خلاصات ونتائج.

خامسا: مسرد الكشّافات العامة: وخصص لبيان:

كشاف المصادر والمراجع.

كشاف المحتويات.

وبذلك يتم مسار هذا الجزء الأول من هذا البحث، وبها أيضا تُطوى دفته الأخيرة، طياًّ غير نهائي، على أمل أن تنفتح مباحثه في الغد القريب على أسئلة وآفاق أوسع، من البحث العلمي بمنهج ولهدف يسهمان في إضاءة إشكالات الباحث الفكرية والفلسفية والإبداعية، التي يرى أنها موصولة النسب بإشكالات البحث في المفهوم ومصطلحه جملة، وبإشكالات البحث في شؤون المفهوم الفلسفي (المنطقي والرياضي) تخصيصا؛ وعسى أن يُسهم كل ذلك في تأسيس معرفة علمية نافعة في المسار العلمي والأدبي لناشئتنا من الباحثين.  

4-صــعــوبــــات البــحــــث:

في هذا السياق يمكن الإشارة فقط إلى أبرز الصعوبات:

1: صعوبات تطبيق المنهج: سواء تعلق الأمر بصعوبات منهج الاستيعاب النظري لمدارات الموضوع، ونتائجه المتعلقة بصعوبات منهج التحليل والتركيب. أو تعلق الأمر بمنهج الدراسة المفهومية\المصطلحية تفكيكا وعرضاً. ولعل من ذلك منهج بناء لغة الدراسة المصطلحية على هدى مواصفات استشرفت الأمانة العلمية قدر الطاقة.

2: صعوبات حصر الإشكالات: وبعضها تولد من سيرورة البحث الميداني الوصفي لمفاهيم ومصطلحات المنزع. بمعنى أن توالد الأسئلة النظرية وتكاثرها - وإن كانت في البدايات البعيدة لهذا البحث، قد صيغت بشكل قبلي، على شكل فرضيات وأسئلة جاهزة وساذجة - قد حدث، وبصياغات غير متوقعة، من جراء الاحتكاك اليومي والمتكرر بمفاهيم الشجرة البنيوية لمصطلحات المنزع بكل ما تختزنه من إشكالات. وهكذا كان لابد من الخوض مرارا في عملية صوغ الأسئلة النظرية من جديد، وبمنطلقات لا تكاد تشبه سابقاتها في بعض الأحيان، مما جعل من برنامج الدراسة يغير اتجاهه وأساليبه، عند أكثر من مرحلة منهجية أو مضمونية.

3: صعوبات تحقيق التواصل مع مصادر البحث: وبعضها تولّد من سيرورة التعامل المباشر مع لغة كتاب "المنزع البديع"، التي هي نموذج لطبيعة اللغة المنطقية الغامضة برموزها وتركيباتها وإحالاتها؛ بحيث إن قارئ هذا الكتاب - وما أشبهه من مصادر مصطلحات المنطق أوالرياضيات - محتاج لا محالة إلى تشغيل خلفيات معرفية ومرجعية متجذرة في التراث المنطقي والرياضي ليَحدُث لديه ضرب من التواصل ثم التبيّن ثم استشراف التفكيك المفهومي.

ولن أنس أخيراً في هذا السياق، ما أمدني به جمع من الأساتذة والأصدقاء من توجيهات ومصادر ومراجع فلسفية ومنطقية ورياضية كنت خلال معاناة البحث في أمس الحاجة إليها، فلهم جزيل الشكر أيضا. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

 -

 -

 -

  -

تمهيد منهجي عام:  

حَول   سُؤال  الاسْتِيعَاب

مما ينبغي الوعي به في ميدان البحث العلمي، هو أن استشراف الرؤية الواضحة لموضوع ما، لابد وأن ينطلق من استشراف الإحاطة بكلّياته؛ إذ لا تفكيك إلا للكُل المركّب. ولا تحليل ولا تعليل إلا للشيء المُستَوعب قبلُ( [8] ). واستيعاب الشيء علميا، إنما يقوم على ضرب من الاستقصاء لا مجرّد التتميم أو التكميل، مع أن كل ذلك يُعتبر من مراتب العلم بذلك الشيء.

ذلك بأن "التتميم يَرِد على المعنى الناقص فيُتمِّمه، والتكميل يردُ على المعنى التام فيُكمّل أوصافه، والاستقصاء يردُ المعنى التام فيستقصي لوازمه وعوارضه وأوصافه وأسبابه، حتى يستوعب جميع ما تقع الخواطر عليه"( [9] ). وإدراك كل ذلك ومثل ذلك - على صعوبته وانكسار طاقة الفرد الواحد دونه -  هو ما ينير إشكالات ذلك الشيء المستوعب. ولعل إدراك إشكالات ذلك الشيء هو المقدمة التي لا مناص منها لاقتناص حلولها بِعِلم؛ لمن أكرمه الله بالحكمة والهداية في مفاوز البحث العلمي. وإنما تحصيل كل ما ذُكر موجز، عند أهل العلم، في كون "الإدراك الصحيح لمشكلٍ ما يجب أن يمرّ بمرحلتين: مرحلة يُتَصوَّر فيها ويُدرَك إشكالُه؛ ومرحلة يُتصوّر فيها ويُدرك حلُّه؛ وكلّ ذلك من العلم"( [10] ).

ومما تقوم به قائمة "الاستيعاب": التَّسلُّح بالرؤية النسقية في تصنيف مفاهيم ذلك المدار المُستوعَب؛ ذلك بأنه "لا يمكن دراسة ميدان من ميادين المعرفة واستيعابه، إلا إذا كان الحقل المفهومي الخاص به قد بُنِيَ على شكل نسق مفهومي (منظومة مفاهيم)"( [11] ). ولعل مما لا يُستغنى عنه في ذلك؛ منهج التصنيف المفهومي، الذي هو "تقسيم الأشياء أو الصفات أو المعاني وترتيبها في نظام خاص يسهل تمييزها بعضها من بعض، ويبيِّن صلة بعضها ببعض"( [12] ). ومنه، عندهم، تصنيف العلاقات "بحيث يُدرك العقل تلك الصِّلة أو ذلك الارتباط بفعلٍ واحد لا ينقسم"( [13] )، وكل ذلك من أسس الاستيعاب الذي تُدرك به إشكالات مدارٍ معيَّن.  

 

أولا: لماذا ينبغي استشرافُ  الاستيعابِ المُستقبلي " لِكُلِّيَات"  هذا الموضوع؟:

إن البحث في مفاهيم الفلسفة ومصطلحاتها - ومفاهيم المنطق والرياضيات تخصيصا - يمكن أن يعتبر من أخطر التحديات المعرفية والعلمية في نسيج ثقافتنا العربية والإسلامية الوسيطية - لأنها تحفر مباشرة في إشكال المفاهيم الفلسفية عموما، فتحفر بذلك، في إشكال قديم وربما لا يزال معلقا، هو إشكال العلاقة العلمية بين "الذات" العربية وبين ذلك "الآخر" القديم. إن مما ينبغي أن تستشرفه الطبيعة المستقبلية لهذا البحث هو: تحقيق ضرب من الاستيعاب الكُلِّي لكيفيات العلاقة وكَمِّها بين الذات الفلسفية والجمالية، في ثقافتنا العربية الإسلامية، وبين ذات الفلسفة في ثقافة الغرب القديم، ومعرفته المنطقية والرياضية تحديداً.

ذلك بأن التأصيل المفترض للجذور المعرفية للاتجاه الفلسفي بالمغرب الوسيط، والمتبلور تاريخيا في بيئة النقد والبلاغة العربيين، خلال القرنين السابع والثامن للهجرة، إنما هو تأصيل يستشرف جذور التفاعل بين نظامين معرفيين متمايزين: النظام المعرفي الذي صدر عنه النقد النظري العربي، ثم التطبيقي، وبين النظام المعرفي الذي صدر عنه المنطق الصوري - ومنطق التصورات منه بصفة خاصة - وصدر عنه المنطق الرياضي القديم.

وإذا كان أصبح الآن من البديهيات، أن البحث في المفهوم ومصطلحه غير منفصل تماما عن البحث في المنظومة التي تحتويه وتحكمه، فقد كان لابد من تأسيس للوعي بإشكال استيعاب أوَّلي ومتدرِّج لأبرز كليات هذا "الاتجاه الفلسفي"، خاصة تلك التي بدت ملحة ومقلقة لمسار هذا البحث، الذي أفضت به سيرورته الداخلية إلى أن يكون محاولة لتعميق التصور حول طبيعة "المفهوم الفلسفي" - المنطقي والرياضي - الموظَّف بضرب من التوظيف في بيئة النقد والبلاغة بالغرب الإسلامي الوسيط. ولذلك فمما يمكن اعتباره من ضمن هذه المدارات:

1: ما يتعلَّق بالجَانب المَعرفي:

أ: البُعد الشُّمولي لِمَقولة "البَيان العَربي": يرى الأستاذ برهان غليون بأن "فهم التاريخ هو الشرط الأول لفهم عملية إعادة الانخراط فيه، والعودة إليه"( [14] ). كما يرى بأن هذا المنطلق القاعدي هو ما به تتشخَّص الظواهر في شموليتها - والبيان العربي ظاهرة من تلك الظواهر - ليصبح التاريخ من خلالها معقولاً( [15] ). وهكذا يصبح البحث في أي جزء من أجزاء الذات العربية الإسلامية - والبيان العربي جزء منها - هو معالجة لكُلِّيَّة الذات في علاقتها بجدلية الهبوط والترقي التاريخيتين( [16] )؛ ولعل هذا يصدق - أكثر ما يصدق - على الجانب المعرفي.

إن البيان العربي جزء لا يتجزّأ من التاريخ المعرفي العربي الإسلامي، ولذلك "احتلت المسألة البيانية أيضا في مجال الثقافة العربية مركزا مرموقا"( [17] ). وهكذا - وسواء باستحضار مفهوم "البيان"، بالمعنى الاصطلاحي المخصّص( [18] )، أو باعتباره دالاً على نظام معرفي عام( [19] )- يصبح بإمكاننا القول بأن "مجال البيان يرتبط بكينونة الإنسان، تعبر به الذات عن كينونتها من خلال اللغة"( [20] ).

وإذا كانت خصوصية البيان العربي ترشحه لكي "يشكل خصوصية دينية، كانت مناط الإعجاز في النص القرآني"( [21] )، فإنه بهذا المقياس يشكل أيضا، إسهاماً نوعيا في تشكيل قدرٍ هام من عناصر الجهاز المفهومي لمنظومة الثقافة العربية الإسلامية، التي تُستبطن من خلالها رؤية محددة إلى العالم. ولعل هذا من بين ما قد يفسّر كيف أن "البلاغيين القدماء كتبوا ما كتبوا لإنجاز مهام معينة طرحتها عليهم أوضاع دينية واجتماعية"( [22] ).

ب: البُعد الشُّمولي لِأُطروحة "الاتِّجاه الفَلسفي" في النَّقد القَديم: إذا كان من المرجح منطقيا أن هناك علاقة عضوية ثابتة بين العام والخاص، فإنه يمكن القول: بأن "الاتجاه الفلسفي في النقد والبلاغة العربيين" يمثل جزءاً من خطاب فكري أشمل منه، هو خطاب الفلسفة الإسلامية كما تشكّل بالغرب الإسلامي الوسيط، بالقدر الذي تمثل به هذه الفلسفة ذاتها "جزء من كيان ثقافي عام، هو الثقافة العربية الإسلامية"( [23] ).

وإذن، فثمة مدارات معرفية كبرى، يستشرفها مستقبل هذا البحث، لتنطلق، من بعد، في عملية تعاضد وتداخل فيما بينها: الأعم يحتوي العام، وهذا الأخير يحتوي الأكثر تخصيصا، وهو الخاص. ولعل هذا الأخير يتمثل، بالنسبة لمدار هذا البحث، في أطروحة الاتجاه الفلسفي المنطقي والرياضي بالأساس - المتبلورة تاريخيا في بيئة النقد والبلاغة العربيين، والمتمثلة في تجربة كتاب "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع" لأبي محمد القاسم السجلماسي، خلال تفاعلها بإضاءات النظرية الشعرية الفلسفية كما نضجت على يد حازم القرطاجني، وبإضاءات النظرية الرياضية البرهانية والاصطلاحية، كما نضجت على يد ابن البناء المراكشي.  

فإذا نُظِر إلى ذات المسألة من زاوية أخرى، تبين أن "الاتجاه الفلسفي في النقد والبلاغة العربيين" - وهو نموذج لخطاب المنطق العربي الإسلامي وقد تحلل عبر خطاب النقد النظري القديم - إنما يؤشر على فرضية تميز اتجاه فلسفي هام بالغرب الإسلامي الوسيط، يناظر بنيان الفلسفة الإسلامية بالمشرق ويوازيه( [24] ) في نفس الوقت. وهذه إشارة واضحة، إلى أن ثمة تفاعل جديد، قد حصل بين جزء من الذات، متمثلا في بنية التفكير الفلسفي الاسلامي بالمغرب والأندلس، وبين جزء من ذلك "الآخر"، متمثلا في المنطق الأرسطي، ومنطق التصورات منه على وجه الخصوص، مضافا إليه ذلك المنطق الرياضي البرهاني الذي تبلور بعمق على يد أحد رواد هذا الاتجاه الفلسفي المغربي الوسيط.    

ثم إن هذا "الاتجاه الفلسفي في النقد والبلاغة العربيين" (وهو اتجاه، في الأغلب، يؤشر تلقائيا على الإقرار بضرب من التفاعل المتجدد، بين التفكير المنطقي والرياضي عند المسلمين، وبين تفكيرهم النقدي والبلاغي، وذلك ضمن شروط تاريخية وثقافية خاصة بمدار الغرب الإسلامي الوسيط، يفترض أنها تشكّلت فيه خلال ثلاثة قرون على الأقل (القرن 6-7-8)) يعكس في بعض أبعاده حركة تفاعل عناصر الحضارة الواحدة فيما بينها، ولعل هذا التفاعل الداخلي يعكس من بعض الأوجه تفاعلا مخصوصا للعناصر الأصيلة بعناصر ثقافة وافدة. لكن لابد من مراعاة طبيعة هذا التفاعل الأخير، التي كانت غالبا ذات سياق معكوس مقارنة بحالة التفاعل الراهنة.

2: ما يتعلَّق بالجَانب المَنهجي الخَاص:  

من حيث المبدأ، يؤكد المهتمون بعلم المنهج على أنه لا يكفي الحديث عن المنهج كمنهج، بل لابد من توطين الفكر وتنشئته على الحديث به؛ وذلك بالانخراط في سيرورة من التجارب التطبيقية والنظرية المندرجة في سياق الاشتغال بالمنهج. هكذا وعلى ضوء هذه الرؤية المنهجية يمكن الإشارة إلى بعض الآفاق:

أ: كيف يمكن إذن تصور ما يسمى بالمنهج الشمولي دون ربط البحث العلمي بمشروع نسقي إبستيمولوجي للذات المعرفية؟ وكيف يمكن تحقيق مثل ذلك في دراسة قضايا المفهوم المنطقي والرياضي، دون تصورٍ شمولي نسقي لقضية المصطلح عموما، وقضية المصطلح الفلسفي بشكل خاص؟.

ب: ترى بعض الدراسات المعاصرة، بأنه لابد من المزاوجة بين منهجين: تاريخي وبنيوي( [25] ): "الأول تكويني، يدرس نشأة النظائم الفكرية (المذاهب، المدارس، الاتجاهات، التيارات، إلخ).. والثاني: تفكيكي، ينطلق من النظيمة المكونة والمنسقة ليكسرها إلى أجزاء، ويرد كل جزء إلى أصله"( [26] ). مبينة أن "الخطاب الذي يتسم بالتكامل والشمول، يتضمن حتما خطابين، أحدهما تاريخي، والثاني منطقي"( [27] ). لكن السؤال الذي يظل متربصا في طريق هذه الأطروح، هو: أي مفهوم للتاريخ ذاك الذي سيحكم هذا الخطاب؟ وأي مفهوم للمنطق ذاك الذي سيوجهه؟.

ج: على أن الأطروحة النسقية، ترى بأن مما يؤشر على أن مشروعا ما محكوم بعلل واضحة وسائر نحو غايات محددة؛ تأسيسه على البحث في مفاهيمه، المفاهيم التي "هي جوهر اللغة الطبيعية العادية، ولب اللغة الاصطناعية العلمية"( [28] )؛ ذلك بأن فاعلية الأجوبة متوقفة على فاعلية المفاهيم( [29] ). وهذه الأجوبة لا تكون نافعة وإجرائية وظيفية سوى بترتيبها وتصنيفها، بعدُ. وهذا يحتاج إلى "وضع سلّم ذي درجات"( [30] ). فبهذه المعاني، فقط، يمكن القول بأن "ما يميز تفكيرا معينا ليس الموضوع الذي يتناوله، ولا الأفكار والنظريات التي يدلي بها، بل إن الأهم من ذلك هو الروح التي يصدر عنها، والنظام الفكري الذي ينتمي إليه"( [31] ).

يقال في هذا السياق، بأن موضوع بحث معيّن - وفي غياب أبعاده المنهجية - ما هو سوى ركام ميت منفعل وسلبي؛ إذ هناك جدلية متبادلة بين الموضوع المبحوث فيه وبين منهج البحث. وقد تصبح "طبيعة الموضوع هي التي تحدد نوعية المنهج"( [32] ). بيد أن الأهمية المركزية في مسار البحث العلمي أياً كان، ينبغي أن تمنح لقضية المنهج أولاً. ذلك بأن "مسألة المنهج ليست مسألة شكلية، مسألة مراجع وإحالات ونقاش آراء بكيفية منتظمة"( [33] ) فحسب. إن مركزية المنهج في ميدان البحث العلمي قد تصل في بعض السياقات إلى مستوى وجود البحث العلمي أو عدم وجوده، قياسا إلى أن من أبرز آفاق البحث العلمي، قد يكون هو أفق تجديد الفهم لشيء معين، وتجديد فهم ذلك الشيء، مشروط بتجديد منهج النظر إليه( [34] )، وتجديد منهج التفكير في الشيء ينتج معرفة جديدة به( [35] ). بهذا الاعتبار يصح أن يكون إشكال المنهج هو ملتقى الصراع والتدافع التاريخيين، وعلى ضوء أطروحة التدافع هذه، يمكن قبول الاستنتاج الذي مفادُه، بأن: "لا مشادّة إلا وهي في المنهج، لأنه اختيار بين بداهتين"( [36] ).

ثانيا: أُطروحة الاستِيعَاب بين" كُلِّيَات" "الاتجِّاه الفَلسفِي" و"خُصوصيات" السِّجلماسي:

إن تجربة السجلماسي مع المصطلح الفلسفي، تجنيسا وتحديداً، تجعل من البحث في إمكانات تحلل مكونات منطق التصورات ضمن خطابه النقدي والبلاغي أمرا مقبولا بل مطلوبا، مما يستدعي التفكير المستقبلي في خلفيات التوفيق بين مكونات هذا المنطق المفهومي ذي النزوع المنطقي وبين مكونات المشروع المصطلحي عند رواد الاتجاه الفلسفي في النقد والبلاغة العربيين، والسجلماسي أحد أفراده الرئيسيين.

ويمكن القول، بصورة أولية، بأن "منطق التَّصور"، يتداخل في فلسفة أرسطو( [37] ) على الأقل، مع البعد الميتافيزيقي "للعلم" - الذي قد لا يتحصّل لديه إلا باستيعاب الكليات - تداخلاً بعيدا؛ ذلك بأن "هدف العلم - وكل ما يصبو إليه العلماء كما تصوّر ذلك أرسطو - هو محاولة التعمق في الطبائع الجوهرية للأنواع المختلفة من الأشياء، والذهاب إلى إمكانية تحديد ماهيات هذه الأشياء والغوص في حقيقتها الدفينة"( [38] ).

على أن مثل هذا الامتداد المفترض بين الجانبين هو مما جعل الثقافة العربية الإسلامية العالمة، تقف موقفا خاصا من منطق الحد الأرسطي. وقد تراوح هذا الموقف الخاص ما بين الرفض التام كما هو الشأن في مواقف عدد من الفقهاء والأصوليين والمنطقيين، كابن تيمية والشاطبي وابن البناء، الذين سعوا – كُلٌّ من موقعه وسياقه - إلى اقتراح منطق إسلامي بديل، وبين نزعة التوفيق الساعية إلى طرح بديل وسطي، كما هو الحال بالنسبة لقلة من الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين، كابن سينا والإمام الغزالي، وبين القبول شبه التام الذي يتوافق مع إحدى مراحل تطور التفكير الفلسفي الإسلامي، كموقف الفارابي وابن رشد على الرغم من الفاصل الزمني والنوعي الكبير بينهما.

ولذلك تبدو أهمية الإشارة إلى أن منطق التصورات كان من بين أهم المباحث المنطقية المركزية التي شهدت تطويرا عميقا في بيئة الفلاسفة الإسلاميين ولدى عدد من مفكري الإسلام. نجد نظرية التعريف وضمنها منطق التجنيس، ومنطق الحد والرسم، إلى جوار نظرية التناسب الرياضية، من أهم تلك المنطقيات القديمة، التي أعيد بناؤها ضمن نسيج الثقافة العربية الإسلامية، باعتبارها منطقيات عملية ونافعة في مشروع بناء الذات.

وفي هذا السياق، يذهب الأستاذ النشار إلى القول بأطروحة التفاعل الإسلامي الإيجابي بمنطق التصورات ذاك؛ ولعل آية ذلك إشارته المركّزة والقوية إلى مظاهر عديدة من تفاعل المنطقيين الإسلاميين وقراءاتهم الخاصة لمباحث عديدة من ذلك المنطق الأرسطي، وتخصيصا: منطق الحد.


 

وهكذا يشير إلى:

3-1: إضافات "الشّراح" الإسلاميين في مجال "بعض الأبحاث وخاصة منها اللغوية، والتي لا نجد لها شبيها لا في منطق أرسطو ولا في منطق الشراح اليونانيين"( [39] ).

3-2: الطبيعة التعدُّدية لمنطق هؤلاء الشرّاح الإسلاميين؛ وهكذا نجده متكوناً لديهم من عناصر أرسططاليسية ورواقية وإسلامية خاصة( [40] ).

3-3: اتساع دائرة التفاعل مع هذا المنطق، بحيث قاربته بيئات علمية أُخَر، غير بيئة الفلاسفة، كبيئة اللغويين والنقاد والبلاغيين والأصوليين( [41] ).

ثالثا: في أُفق تَركِيب "العَلاَقة":

إن التفكير المستقبلي في استشراف دلالات العلاقة، من منظور علمي جديد، بين منظومة "الاتجاه الفلسفي" المنطقية والرياضية، وبين مختلف المنطقيات التي كانت مشمولة بمعطف المنطق الصوري القديم، يضيء لاشك بعض إشكالات العلاقة الخاصة بين نظام البيان العربي ومنطق التصور بخاصة، ثم هو يضيء إشكال المميِّزات الفارقة في محاولات إعادة بناء تصور برهاني رياضي حول تركة هذا البيان العربي من قبل أبرز رواد الاتجاه الفلسفي في النقد والبلاغة العربيين خلال القرنين السابع والثامن الهجريين.

وإذن، فالفرضية الأولية التي قد تحتاج إلى إثبات آني جزئي - أو مستقبلي كلي - هي: فرضية التفاعل - بكميات وكيفيات معينة - الذي حدث بين فلاسفة نقاد ومنطقيين بلاغيين، وبين المنطق والرياضيات؛ وأن أبرز جزء تفاعل معه هؤلاء النقاد الفلاسفة والمنطقيون البلاغيون هو: "منطق التَّصوُّر". وأن أدق جزء من هذا المنطق، يؤشر على ضرب خاص من التفاعل مع "نظريَّة التَّعريف"، بشقَّيها: "منطق التجنيس" و"منطق الحد"، كما قرأهما وأعاد صياغتهما مفكرون وفلاسفة إسلاميون. وأما ما عساه يمثل الجزء الأدق من "المَنطق الرِّياضي"، والذي جسد وجهاً آخر من ذلك التفاعل فلعله، وغالبا: "نظريَّة التَّناسُب".

ولذلك فإن مما سيؤشر على هذا البعد الشمولي في المنهج، هو كون مراحل من تاريخ هذا التفاعل قد تميزت بخصائص منهجية ومعرفية مخصوصة، وأشّرت على انشغالات فلسفية (منطقية ورياضية ومصطلحية)، وجمالية (نقدية وبلاغية وأسلوبية) مخصوصة. وهذا مما سيميل بالمباحث المقبلة لهذا الكتاب، إلى خيار النظر في إسهامات السجلماسي الاصطلاحية والنقدية والبلاغية كجزء مركزي من "اتّجاه فلسفي" - منطقي رياضي بالأحرى - يشمل إسهامه وإسهام رواد آخرين في مدار التفهيم الاصطلاحي المنطقي، والتنظير البرهاني الرياضي لتركة البيان العربي. ولعل هذا "الاتجاه" المنطقي والرياضي، أن يكون - من أجل ذلك - مرآة عاكسة، وجزءاً تكوينيا نوعيا وفارقا ضمن خطاب التفكير الفلسفي والمصطلحي الإسلامي بشكل عام.

 

 

 

 

 

القسم الأول

 

إِشكَالاَتٌ فَلسَفِيةٌ ونَقدِيَّةٌ كُلِّيَّة

 

* * *

 

كُلِّيات التَّفكِير المَنطِقي البُرهَاني

ضِمن المَشرُوع النَّقدِي"للاتجِّاه الفَلسَفِي"

 

مدخل إلى الاستِيعَاب

 

 

 

 

 

 

البَاب الأوَّل

 

 

الــبــــاب الأول

 

إِشكَالاَت  مَفهُومية كلِّيَّة:

هل هناك" اتجِّاه فَلسَفِي" في النَّقد والبَلاَغة بِالمغَرب الوَسِيط؟

 

 

الفصل الأول: في الطَّبيعة المَفهومِيَّة "للاتِّجاه الفَلسفي".

 

الفصل الثاني: في إِشكَال إِطلاَق اسم "الاتِّجاه الفَلسفي" على مدار غَير
                       فَلسفي.

 

 

 

 


 

الفصل الأول:

في الطبيعة المفهومية لتسمية "الاتِّجاه الفلسفي":

المبحث الأول: في معنى "الاتجاه" الفلسفي:

يمكن استخلاص دلالة كلية لمصطلح "الاتِّجاه" المشغَّل في أثناء هذا البحث، تقوم على فرضية حالة معرفية بارزة، ذات أصول فكرية متوحدة، وعناصر منهجية مترابطة ، ثم وجهة منسجمة ضمن سياق ثقافي وتاريخي مُعيَّنين، وهذا يفضي إلى اعتباره تيارا علميا ذا منظومة نسقية تستشرف غايات مشتركة، لتلبية حاجات معينة؛ دون أن يعني ذلك، بالضرورة، سبقاً في الاتفاق القصدي بين رواده.

وبمجرد نسبة هذا الاتجاه - كنسق فكري متميز -  إلى الفلسفة، تطفو مع التأمّل سلسلة من الإشكالات والأسئلة الناسجة بطبيعتها لفرضيات متعددة: ولعل من أبرز هذه الأسئلة ما طرحه الأستاذ عباس ارحيلة عن طبيعة تفاعل هذا الاتجاه بأرسطو وتلامذته، وذلك بقوله: "تُرى إلى أي حد تمثلت الأرسطية في هذه المدرسة؟ وماذا استفادت البلاغة العربية من النزوع الأرسطي لدى رواد هذه المدرسة؟"( [42] ).

وفي الواقع فإن هذا التساؤل يستدعي عددا كبيرا من الأسئلة الإشكالية، والتي سنحاول إدراجها بمجموعها، على شكل فرضيات استفهامية مصنفة:

أولاً: حول طبيعة "الاتِّجاه":

من بين الأسئلة الملحّة، والتي يمكن طرحها حول هذا المدار:

=هل يمكن اعتبار مشروع هذا الاتجاه حركة داخل الفلسفة أم خارجها؟. وهل يمكن إدراج مشاريع رواده ضمن بنية التفكير الفلسفي الإسلامي أم ضمن المجهودات النقدية العربية القديمة؟. ثم هل كانت هذه الإنجازات في البلاغة النظرية أم التطبيقية أم في المصطلح؟.

هل كانت حركة هذا "الاتجاه" حركة داخل المنطق بإطلاق أم هي استثمار لمنطق التصورات على وجه الخصوص؟. هل كانت حركة داخل الرياضيات بإطلاق، أم هي استثمار لمنطق التناسب على وجه الخصوص؟. وإذا كان البعد المنطقي/الرياضي في سياق هذا "الاتجاه" يستحضر بطبيعته التفكير الفلسفي اليوناني مع مجمل القراءات التي نشأت حوله، فلماذا يكون هذا التفكير دون غيره من مصادر ذلك "الاتجاه"؟. بمعنى آخر: ماذا يعني أن هناك "اتجاها فلسفيا" داخل النقد والبلاغة العربيين؟ هل يمكن أن يكون من بين معانيه: محاولة الفلسفة ابتلاع النقد والبلاغة وإحلال نفسها مكانهما؟.

ثانياً: حول خلفيات "الاتِّجاه":

يقال في هذا السياق إن الغزالي كان غالبا من العوامل غير المباشرة في تأسيس التفكير الفلسفي خارج مدار الفلسفة، أي في مدار علوم أخرى كالنقد والبلاغة، ولعله يقال نظير هذا  الافتراض عن ابن حزم، بل وحتى عن ابن رشد؛ إلا أن هذا الافتراض قد يكون من باب التعميم المُخِلّ أو على الأقل من باب القياس مع الفارق: أليست ثمة فروق بين الغزالي وابن حزم؟، أفلا يكون كلا الرجلين متناقضين في بعض الزوايا مع ابن رشد؟، ثم ما علاقة كل ذلك مع رواد الاتجاه الفلسفي؟. إن دراسات معينة ترى بأن ما يسمى عند ابن حزم "بتأسيس الفقه وأصوله على المنطق، وتحصينه به، لا يعني في جانب منه سوى الدفاع عن كمال الشريعة من خلال إدخال القياس المنطقي التكراري؛ فهل أُريدَ بإدخال المنطق الأرسطي إلى الشرعيات من طرف الغزالي نفس الشيء؟"( [43] )؛ الواقع أن مثل هذا السؤال قد يستدعي بطبيعته سؤالا شبيها، وهو: هل أُريدَ بإدخال المنطق والرياضيات إلى النقديات والبلاغيات من طرف رواد الاتجاه الفلسفي نفس الشيء؟، هل كان حازم القرطاجني، مثلا، يقصد بمفهوم "الشعر المطلق"، كمال الشعر وكمال نظريته؟. هل كان السجلماسي يقصد نفس الشيء عن كمال البلاغة العربية وهو يستعمل مصطلح "الصناعة الكاملة"؟.  وإذن: هل بإمكاننا الحلم ببلاغة، بل بمعرفة، كاملة ؟؟.

وإذا كان يمكن اعتبار منطق التصور خلفية كبرى لهذا الاتجاه، فماذا يمكن أن يكون بقي داخله من هذه الخلفية؟. وهل كان اصطناع "منطق التصورات" لدى رواد "الاتجاه الفلسفي" غاية أم وسيلة؟. وبموازاة هذا المنطق المفهومي الخاص الذي استند إليه رواد هذا "الاتجاه"، ألم تكن ثمة منطقيات أخرى، محايثة أو سابقة أو لاحقة له؟، وهل صناعة المنطق في مشروع السجلماسي، مثلاً، واحدة أم متعددة؟.

وإذا كان مشروع هذا الأخير قد نُفِّذ على ميدان النقد والبلاغة العربيين، فماذا يمكن أن تكون كسبته البلاغة والنقد العربيين بوجود هذه النزعة البرهانية المفهومية في سياقهما النظري والتاريخي؟، وبمعنى معكوس: ماذا كان سيفقده النقد والبلاغة العربيان لو لم يوجد السجلماسي - والقرطاجني وابن البناء - في سياقهما التاريخي التكويني؟. وإذن، ما هي الوظيفة التي أدتها تجربة كل واحد من رواد هذا "الاتجاه الفلسفي"؟. وتحديدا ماذا يمكن القول عن تجربة السجلماسي وكتابه "المنزع البديع"، ارتباطا باللحظة التاريخية التي عاش ضمنها؟. ثم ألا يمكن قلب هذا السؤال زمنيا من أجل ضربٍ من التحيين لإشكالاته الفلسفية؟، بمعنى آخر: ماذا يمكن قوله عن تجربة هذا الاتجاه، ارتباطا بالخلفيات والأنساق المنطقية والرياضية المعاصرة؟.

ثالثاً: حول سيرورة "الاتِّجاه":

ثمة أسئلة تبدو هاهنا ملحة، لعل أبرزها يمكن يُصاغ كالتالي:

ما هي ثوابت ومتغيرات هذا "الاتجاه"؟. وإلى أي حد يمكن الحديث عن تميُّزٍ نظري وتطبيقي ما لهذا الاتجاه، وذلك في علاقته مع الماقبل والما بعد؟. وما معنى التميّز في هذه الحالة، وفي أي اتجاه يسير، وهو متميّز بماذا؟. وإذا كانت مرحلة ما قبل هذا "الاتجاه" تسعف الباحث بالمادة التي استثمرها سواء من تركة البيان العربي أو المنطق، فبماذا يا ترى يمكن أن تسعفنا به مرحلة ما بعد "الاتجاه"، سواء في سيرورة الغرب الإسلامي الوسيط أو شرقه؟.

رابعاً: حول علاقات "الاتِّجاه":

إن سؤال العلاقة سؤال دقيق وخصوصا في المجال الفكري، ولذلك فلابد من إجراء ضربٍ من الحفر الأفقي والعمودي من أجل العثور عن أسئلة حقيقية تخص علاقات هذا "الاتجاه الفلسفي": وإذن، فهل من الممكن إيجاد اتجاهات فلسفية أو نقدية أخرى تتقابل معه أو تتوازى؟. هل بالإمكان عقد مقارنة منسجمة بين مشروعين أو ثلاثة في هذا السياق؟.

هل يمكن اعتبار المعالجة المنطقية والرياضية في النقد والبلاغة العربيين، خطوة جديدة في اتجاه العلاقة مع المنطق والرياضيات، هل يمكن أن تؤشر هذه العلاقة الجديدة المفترضة على وعي ناشئ يؤسس لجسور حادثة بين الأدب والعلم؟، وبين النقد والبلاغة من جهة والعلوم الصرفة من جهة أخرى؟.

وما علاقة الرياضيات أيضا ببناء نسق تصوري للأساليب؟؛ هل يمكن اعتبارها مجرد محاولة لبناء جغرافية صورية لأساليب البيان العربي؟، أم أن هذه الأساليب البيانية الأصيلة تجد بطبيعتها عمقها الجيولوجي داخل مفاهيم الكائنات الرياضية؟. وما هو الجديد في وضع المصطلحات البلاغية الموروثة لدى رواد هذا الاتجاه؟ هل يمكن أن تُعتبر جديدة لمجرد كونها عُرِّفت تعريفا منطقيا/رياضيا؟.

خامساً: حول غايات "الاتِّجاه":

إذا كان كل مكتوب أو مقول إنما يتغيّى غاياتٍ ويُشبع حاجات - كما قد قيل - :

فهل كانت غاية "الاتجاه الفلسفي" في النقد والبلاغة العربيين، مثلاً، هي إحلال القياس المنطقي محلّ القياس البياني؟.. وإذا افترضنا بأن مشروع هذا "الاتجاه" يتمثل في إعادة تأسيس مفاهيم البيان العربي على مكونات نظريتي التعريف والتناسب، فهل كان ذلك ممكنا من الوجهة العملية والتاريخية؟. ثم هل يمكن اعتبار هذا الاتجاه منطلقا للتحليل التاريخي أم نهاية له؟. بمعنى هل كان للمنطق والرياضيات دور انتهيا إليه مع رواد هذا "الاتجاه الفلسفي" بالغرب الإسلامي الوسيط، أم أنه ابتدأ به؟. وهل من تفسيرات خارجة عن مدار الغرب الإسلامي يمكن تعليل تكوينية "الاتجاه الفلسفي" على ضوئها؟.

لابد إذن من محاولة اقتراح أرضية أولية تعاد على ميدانها مناقشة أبرز الفرضيات الناتجة عن هذه الأسئلة واختزالها في كليات مفهومية، وقد يختبر بعضها أو جلها، فيسقط هذا ويصمد ذاك. لكن، وفي كل الأحوال، ستظل محاولة امتحان الشيء العلمي دائما، مشروعا حثيثا يورث قدرة على إثارة إشكالاته وكلياته ترجيحاً.

المبحث الثاني: في إشكال تسمية "الاتجاه الفلسفي":

يقدّم الأستاذ محمد مفتاح، عددا من التّسميات العلمية الرائجة حول ظاهرة توظيف المفاهيم الفلسفية في مدار النقد والبلاغة الوسيطين، وهي: "النَّسق الفلسفي والبلاغي"( [44] )، و"الاتجاه المتفلسف"( [45] )، و"التيّار البلاغي المنطقي" ( [46] )، "المدرسة الفلسفية المغربية"( [47] )، و"المدرسة المغربية العربية"( [48] )، و"المدرسة الأندلسية المغربية الفلسفية" ( [49] ). ولعل هذا يوحي بأن المفهوم الذي يتحرك ضمنه لفظ: "النَّسق"، هو نفسه الذي يتحرك ضمنه لفظ: "الاتِّجاه"، وكذلك لفظ: "المَدرسة".

وملاحظ أن هذه الاصطلاحات تتناسب فيما بينها بعلاقة تضمُّنية انجرارية واضحة، ذلك بأن دلالة "التيار" أو "الاتجاه"، يتضمّنان وجود "نسق فكري" رابط بين مكوناته، بما قد يستدعيه ذلك من وجود خلفية مرجعية واحدة، وجهاز مفهومي متكامل وانشغالات فكرية وثقافية "تتّجهُ" إلى صيرورة واحدة وإن اختلفت بعض الأساليب. بيد أن لفظ "مدرسة" قد يؤدي بُعدا دلاليا أقل مما يؤشر عليه لفظ "الاتجاه"، لذلك نجد الأستاذ محمد مفتاح ينسب استعمالات اللفظ الأول أحيانا إلى ما يسميه ب: "القراءة المتأدِّبة"( [50] )، التي تميّزت ببعض النزوع القومي الإقليمي( [51] )، وسرعان ما يقبل بطرح هذه "القراءة المتأدّبة" لكون "القراءة النسقية" تهيمن على أطروحة "المدرسة الفلسفية" وتحتويها( [52] ).  

إن مما قد يعمّق مجرى هذه الأطروحة هو البحث في طبيعة خلفية هذه الظاهرة، والتأكد من بُعدها الفلسفي. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى ملاحظة مفادها أنه إذا كان كل منسوب إلى الفلسفة فهو فلسفي( [53] )، فلابد إذن من تحديد ما إذا كانت تسمية "الاتجاه الفلسفي" تحيل على مشاريع علمية فكّرت بواسطة الفلسفة أم أنها جعلت  الفلسفة موضوعاً لها، سواء بوعي أو بدون وعي. ولذلك:

أ: حين يضاف لفظ "الفلسفة" إلى موضوع ما، فإنه يدل على الدراسة  النقدية لمبادئه وأصوله( [54] ). فالبحث عن معنى "الاتجاه الفلسفي" قد يقتضي الانطلاق من فرضية تاريخية تجعل من مشروع هذا الاتجاه مُنصباًّ على الأصول المفاهيمية والتصورية للمجالات العلمية التي تحرّك فيها. وبالتالي فإن البحث في أطروحة "الاتجاه الفلسفي" هو بحث في المبادئ والأصول المنطقية والرياضية التي حكمته، على اعتبار أن "كل فكر هو عبارة عن بنية نظرية، أما عناصر هذه البنية فهي المفاهيم التي يشيّد عليها هذا الفكر رؤيته الخاصة"( [55] )، وأن "التفكير بواسطة ثقافة ما، معناه: التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها: الموروث الثقافي، والمحيط الاجتماعي، والنظرة إلى المستقبل"( [56] ).

وإذا كان "الجزء الأكبر من خصوصية ثقافة ما، إنما يرجع إلى التاريخ الخاص بهذه الثقافة"( [57] )، فإن "المثقف لا يُنسب إلى ثقافة معينة، إلا إذا كان يفكر داخلها، والتفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها"( [58] ). هكذا فإن "الاتجاه الفلسفي"، على ضوء هذه الفكرة لن يكون تفكيرا في قضايا الفلسفة وإنما هو مشروع تفكير - بواسطة الفلسفة - في قضايا علوم أخرى ومنها النقد والبلاغة العربيين.

ب: إن فرضية تفاعل هذا "الاتجاه الفلسفي" مع منطق أرسطو وتلامذته، ومع منطق التصورات منه، بشكل أخص، يمكن أن تثبت باختبار فرضيتين خلفيتين، سبقت الإشارة إليهما:

الأولى: أن هذا "الاتِّجاه" مارس التفكير الفلسفي إما داخل الفلسفة أو خارجها، ومن داخل المنطق الأرسطى أو خارجه( [59] )، على اعتبار أنه يُجسّد كيفية إطلالة الفلسفة على مدارات العلوم العربية الإسلامية. ولعل هذا يفتح النقاش حول إمكانيات وجود "اتجاه جمالي نقدي" داخل الفلسفة الإسلامية، بالقدر الذي يفتح به نقاشاً آخر حول إمكانيات وجود وعي مفهومي مصطلحي فلسفي داخل التراث النقدي والبلاغي العربي، وبالتالي سيكون ممكنا استشراف هذا الوعي المصطلحي الفلسفي، في بيئات علمية أخرى خارج بيئة الفلاسفة.

والثانية: أن "كُلِّيات" هذا "الاتجاه الفلسفي" المغربي الوسيط تتوازى، وربما تتقاطع، مع مسار التفكير الفلسفي بالمشرق الإسلامي. ولعل مما قد يعنيه ذلك: أنه "اتجاه" من ضمن "اتجاهات"، داخل مدار الفلسفة الإسلامية ذاتها، وذلك من حيث طريقة فهمه وتطبيقه "لمنطق التصورات" و"منطق التناسب".

إن هذا التميز الأفقي المحتمل يمكن تكثيفه عبر مظهرين:

الأول: مظهر قاعدي: ولعله يتعلق بالفهم الخلفي للعلم عند هذا "الاتجاه": ذلك بأن مفهوم العلم عنده يمكن تجسيده بشكل عام بمقولة أحد أبرز فلاسفة المغرب الوسيط - وهو ابن رشد الحفيد -  التي ترى بأن "العلم"، هو "إدراك النظام والترتيب الذي في الأشياء"( [60] ). وهذا هو ما سعى إليه رواد الاتجاه من أفق إدراك النظام المفهومي الرابض خلف نسق الخطاب البياني العربي، وذلك عن طريق نَظم كُلياتِه؛ وتصنيف أجناسه وأنواعه، وتفهيم جزئيات صناعته، بالتعريف المنطقي والتجنيس.

الثاني: مظهر بنيوي: ويتعلق بكون العوامل التي أسهمت في تكوين إشكالات الرؤية الجمالية عند رواد الاتجاه الفلسفي بالغرب الإسلامي الوسيط، هي غالباً إشكالات ذات طابع شمولي، يتجاوز الاهتمام الصرف بالمنطق والرياضيات؛ مما سيعطي إمكانية اختبار الفرضية القائلة بشمولية الخلفيات التي قد تفضي إلى شمولية في الغايات، والحال أن سؤال الخلفيات الشمولية يصبح مطروحا بقوة، وهو ما يختزله بعض الباحثين في ثالوث تاريخي فكري هو: الثورة الثقافية الموحدية، وهجوم الغزالي على الفارابي وابن سينا، والخميرة العقلانية المنطقية/الرياضية( [61] ).

لقد شهد ازدهار الفلسفة والمنطق بالغرب الإسلامي الوسيط موجات تاريخية من القوة والضعف. فكان الاتجاه العام نحو الاهتمام "بعلوم الأوائل" يشتدّ أو يتراجع، فيعلو صوته أو يخفت تبعاً لطبيعة الحقبة التاريخية التي يمر بها، وتبعاً للأوضاع السياسية استقرارا أو تقلباً من جهة، ثم تبعاً لعلوّ صوت الفقهاء الذي شهد بدوره حقباً متضاربة من حيث القوة والضعف، وإن كان واقع السطوة والغلبة هو الأشد بروزا.

وهذا مما يفسر، اليوم، علل تتحلُّل خطاب الفلسفة والمنطق، خلال هذه المرحلة التاريخية الوسيطة، ضمن خطابات علمية غير فلسفية. وهكذا ستتشكل ملامح ذلك "الاتجاه الفلسفي" ضمن مشاريع لغوية وتاريخية وسياسية متعاصرة. وأغلب حال هذا التشكل والتحلل ألا يكون –كما قد قيل - عن سابق اتفاق بين أطرافه، وإنما قد تجمعهم تلك الخلفيات وتوحدهم الغايات( [62] ).

 

 

 

 

الفصل الثاني:

في إِشكَال إِطلاَق اسم "الاتِّجاه الفَلسفِي"على مَدار غير فَلسفي:

المبحث الأول: مَقالات الدَّارسين حَول إِشكَال التَّسمية:   

1-1: تُطلّ ظاهرة "الاتِّجاه الفلسفي في النقد والبلاغة بالمغرب الوسيط"، ابتداءً، على إشكال التّسمية. وهو إشكال يطرح صعوبات مبدئية سواء تعلق الأمر بتسمية الظواهر أو المفاهيم. ولعل هذه الصعوبة مِمَّا جعل الأستاذ علي القاسمي يستنتج بأن "من مُشكِلات المفهوم تَسمِيَتُه"( [63] ).

وقد يقال في سياق تسمية الأشياء أو الظواهر - كما هو الحال في إشكال تسمية "الاتجاه الفلسفي" - بأنه لا يستقيم الرهان في تحقيق ذلك على حل صعوبات الترجمة بمعناها الضيق( [64] )، لأن الإشكال يستحضر في الأساس زاوية النظر إلى المفهوم المعبِّر عن الظاهرة، وإلى السياق الفلسفي أو التاريخي المحايِث أو المُلابِس لجزئياتها. ولذلك فغالبا ما تختلف النظرة إلى هذا المفهوم "من عصر إلى عصر، ومن مدرسة فكرية لأخرى، ومن تخصص علمي لأخر"( [65] ).  

باستعمالنا المصطلح "الاتِّجاه الفلسفي"، تُطِلُّ التَّسمية على إشكال التمييز بين خصوصيتين: خصوصية الموضوع النقدي البلاغي، وخصوصية النتائج التي انتهى إليها اشتغال الفلاسفة داخل هذا الموضوع( [66] ). على أننا قد نعثرعلى بعض الدراسات التي ترى، ابتداء، أنه "لم يكن في الأندلس نشاط جماعي قام في شكل مدرسة أو فرقة من أجل دراسة الفلسفة"( [67] )، كما هو الحال عند رواد الاتجاه الفلسفي بالمغرب: لقد جمعتهم الخلفية الفلسفية المنطقية، لثبوت العلاقة بين المنطق وبين كافة الخطابات العلمية التي وظفته باعتباره منطلقا للإنتاج( [68] )، ولتوفر المبادئ النووية الكلية المشتركة بينها( [69] ). من هذا المنظور، يبدو الحديث مقبولا، عن إمكانات تحلّل خلفية الاتجاه الفلسفي المنطقية الشمولية ضمن نسيج النقد والبلاغة العربيين، من أجل غايات أشمل من البلاغة والنقد ترجيحا، وهكذا تميل بعض الدراسات إلى القول بتوظيف "هذه الآليات المنطقية والرياضية نشدانا للضبط التأويلي حتى تُتجنب الفرقة والتشغيب، وحتى تتوحد العقيدة والمذهب والطريقة، وتبعا لذلك تتوحد الأمة"( [70] ).

1-2: يبدو أن وصف هذه التجربة الفلسفية في علاقتها بالبلاغة والنقد بكونها "اتجاهاً"، قد حاز على ضرب من التوافق بين عدد من التنظيرات المعاصرة رغم الاختلاف في طبيعة القراءة( [71] ). ولعل من أبرزها، نجد:

أولا: رأي الأستاذ الراحل أمجد الطرابلسي، الذي يبين بأن "القرن السابع الهجري ومطلع الذي يليه"( [72] )، قد عرف "مدرسة بلاغية عربية مغربية تستحق أن يوليها المهتمون بالدراسات النقدية والبلاغية المقارنة عنايتهم، ويخصّوها بتتبّعاتهم، وهي مدرسة يبدو واضحا، من خلال الآثار التي تركها لنا أعلامها، أنهم كانوا.. أحسن اطلاعا على منطق أرسطو، وأعمق فهما لمضمون كتابيه "الشعر" و"الخطابة"، من النقاد والبلاغيين الذين عرفتهم القرون السابقة في مشرق الوطن العربي ومغربه"( [73] ).

ثانيا: وما يراه الأستاذ عباس ارحيلة من أن القرن الهجري السابع كان على موعد مع ظهور "اتجاه جديد يتميز عن الشرق بالاستمداد من التراث الأرسطي"( [74] ). بمعنى أن وصف هذه التجربة بكونها تمثل "اتجاهاً"، نابع من حالة من التميّز عن الشرق في طبيعة المنبع، مما يؤشر على أن هؤلاء المغاربة لم يكوّنوا اتجاههم المميز باستمدادهم من الفلسفة بإطلاق، بل باستمدادهم من جزء معيّن فيها، وهو المنطق ثم الرياضيات. ولعل هذا هو ما أثر على منهج التفكير والتحليل الذي سلكه هذا الاتجاه أثناء تعامله مع مادة اشتغاله.

ثالثا: وما نجده عند الأستاذ بنشقرون - في سياق تحليله لكتاب "الروض المريع في صناعة البديع"؛ حيث يصف هذا الكتاب بكونه "صورة للبلاغة العربية في إطارها الفلسفي الذي عرف في المغرب على يد الثالوث المبدع: حازم القرطاجني وابن البناء العددي وأبي محمد السجلماسي، فهؤلاء يمثلون الوجه الثاني للصورة التي مثّل وجهها الأول اللغويون والمتأدبون، أمثال ابن رشيق القيرواني وأبي القاسم الشريف السبتي وابن أبي القاسم الثعالبي"( [75] ). وفي هذا السياق يستنتج الأستاذ عزة حسن أن أفراد هذه المدرسة البلاغية هم أبناء مدرسة واحدة، يستقون من منابع واحدة، ويسيرون في إبداعاتهم لبلوغ غاية واحدة، وقد امتزج في تفكيرهم وكتبهم آثار تراث العربية وآدابها، بآثار التراث اليوناني المتمثل في كتب أرسطو خاصة، ولا سيما كتبه في المنطق والنقد( [76] ).

رابعا: وإذا كان الأستاذ محمد مفتاح يقرّ بوجود "مدرسة أندلسية مغربية فلسفية تتجلّى في ابن رشد وتلامذته"( [77] )، فإنه لا يرى بأن الأخذ عن أرسطو هو ما يميز هذه المدرسة، ذلك بأن "مما تشترك فيه المدرسة الفلسفية المغربية مع المدارس الفلسفية المشرقية الأخذ بالمنطق الأرسطي، وخصوصا ما يتعلق منه بنظرية التحديد والقياس وأنواعه وعلائق القضايا"( [78] )، ولعل ما ذكره الأستاذ الباحث يمثل نموذجا للتميُّز لا التشابه.

خامسا: وما يراه الأستاذ علال الغازي( [79] )، من أن هذه المدرسة المغربية قد "وظّفت النظريات الأرسطية في رحاب الدرس النقدي والبلاغي"( [80] )، وأنها "لا تواكب الشرق في الروح والأسلوب والمنهاج، وأن الفلسفة اليونانية قد امتزجت برواد المدرسة فلم تعد هنا ازدواجية"( [81] ). ولعل شبيه هذا الرأي ما نجده عند الأستاذ محمد بن تاويت من تأكيد على وحدة المرجعية الفلسفية عند أبناء هذه المدرسة المغربية( [82] ).

1-3: بيد أن دراسات معاصرة تتميز بنزوعها النسقي، ترى أن مثل هذه الآراء تفتقر إلى ما هو أعمق من مجرد وصف هذه الظاهرة ب"المدرسة" أو "التيار" أو "الاتجاه"، إنها تفتقر إلى التساؤل "حول أسباب قيام هذه المدرسة، وحول الأسس الإبستيمولوجية التي تجمع بين البلاغة وأصول الفقه، فإذا كان الجابري بيّن العوامل التي دفعت ابن رشد إلى الرجوع إلى أرسطو وإلى انتقاد الفلسفة المشرقية، فما هي العوامل التي دفعت السجلماسي وابن البناء للتأليف بهذه الطريقة؟، أوَليست هذه المؤلفات جزءاً من كل؟"( [83] ).

كما أن مثل تلك الآراء بدا مفتقرا عن عمق التساؤل حول: "زعيم المدرسة"( [84] )، "ثم ما هي نوع المنطلقات؟ ما الغاية؟ ألِغاية سياسية؟ أم لغاية جمالية؟ أم لغاية دينية؟"( [85] ). والأكثر من هذا فإن مثل هذه الآراء بدت مفتقرة إلى أفق البحث "في دور هذه المؤلفات في المجتمع المغربي، ولم تبين الإشكالية العامة التي تهدف إلى حلّها"( [86] ). وهكذا لم تبادر إلى بيان "المآزق التي وقع فيها السجلماسي بتوظيفه للصناعة النظرية في التصنيف"( [87] )، فلم تطرح أسئلة حول "البواعث التي جعلته يتبنى الصناعة النظرية"( [88] ).

وبالنتيجة - يلاحظ الأستاذ محمد مفتاح - بأن أغلب تلك الآراء "تنتمي إلى المنهاجية التاريخية الجزئية التي تحاول أن تربط الفكر بالتحولات السياسية ربطا ميكانيكيا، كما أنها لم تبيِّن العائق بين "علوم" العصر، لأن ثقافة العصر تكوّن نسقا عاما"( [89] ). ولعمري إن تلك الأسئلة جميعها، وما أشبهها، لَمِمَّا يحتاج إلى أجوبة شافية.

المبحث الثاني: في تميُّز  "المغَرب الوسيط" ب"الاتجِّاه الفَلسفِي":

2-1: حول فَرضية "خَلفيات التميُّز":

ابتداءً يمكن طرح السؤال التالي:

هل هناك تميّز فلسفي في تجربة المغرب الوسيط؟.

يُثار مثل هذا السؤال ضمن سياقات عديدة، ثم يُجاب عنه من زوايا متقابلة: فهناك زاوية نظر تقترح جوابا من حيث أساس التقسيم؛ ومنها ما يراه الأستاذ عادل فاخوري من أن التمييز بين مدرستين فلسفيتين"واحدة شرقية والأخرى غربية"( [90] )، لا أساس له من الصحة.

وهناك زاوية نظر أخرى تقترح جوابا من حيث مجالات التقسيم؛ ومنها ما يراه الأستاذ محمد مفتاح أن هناك تميزا ما عند مدرسة مغربية في النقد والبلاغة يصعب تجاهله( [91] )، وربما يذهب هذا التميّز في اتجاه بناء ثقافة عربية مغاربية مستقلة وذات تأثير عالمي( [92] ).

وهناك زاوية نظر أخرى، تتأطر من حيث مرجعيات التقسيم؛ وبها يرى الأستاذ عابد الجابري بأن خصوصية المدرسة المغربية عن المشرقية حقيقة تاريخية وفلسفية في نفس الوقت، وأن تاريخ الغرب الإسلامي السياسي والثقافي هو ما شكّل تلك الخصوصية. ومما يصبّ في هذا المعنى: تميّز منهجيته الفلسفية عن المشرق الإسلامي.

هكذا يمكن تجسيد جانب التميز لدى فلاسفة المغرب في مؤشرات، أبرزها يدور حول سؤال المنهج:

أ: فإذا كان مفكرو الإسلام بالمشرق قد تفاعلوا مع منطق أرسطو وتلامذته بأضرب من التفاعل، فإن مفكري الإسلام بالمغرب يتميزون - من زاوية نظر معينة - بطريقة تطبيق ذلك المنطق ومنهج توظيفه. وفي هذا السياق، يرى الجابري بأن الفلسفة الإسلامية بالمشرق عجزت عن استعمال أدلة البرهان استعمالا كافيا( [93] ).

ب: ولذلك فإن اختلاف "الاتجاه الفلسفي المغربي" عن الاتجاه المشرقي، هو اختلاف حول الأساس المنطقي المنهجي، الذي اعتمدته الفلسفة الإسلامية إلى غاية القرن الخامس الهجري. وحول هذا يرى الجابري بأن منطلق الاختلاف بين المدرستين كامن في المنهج لا في المادة المرجعية( [94] ).

ج: وهكذا فالمرجّح الآن هو أن الاتجاه الفلسفي بالغرب الإسلامي الوسيط (ابن حزم - ابن باجة - ابن رشد - ابن البناء - حازم - السجلماسي - ابن خلدون..) سعى إلى تصحيح منهج توظيف المنطق من جهة، وإلى تفعيل الجزء الوظيفي من ذلك المنطق من جهة ثانية. وحول هذا يرى الجابري بأن المدرسة الفلسفية بالمغرب انصرفت إلى "البحث عن الأصالة من خلال قراءة جديدة للأصول، ولفلسفة أرسطو بالذات"( [95] ).

على أنه، لابد من الاعتراف بصعوبة البحث عن تميز تجربة ثقافية ما، في مرحلة تاريخية معينة، دون النظر إليها كجزء من البنية الشاملة التي ميّزت تلك المرحلة التاريخية برمتها. وإذا كانت هذه الفرضية تصدق على كافة التجارب الثقافية الإنسانية، فلعلها تكاد تكون أكثر صدقاً على التجربة العربية الإسلامية، ومنها تجربة الغرب الإسلامي الوسيط. وذلك بسبب صعوبة الفصل التاريخي والنظري بين مختلف جوانب الحضارة الإسلامية، المتميزة هي ذاتها بضرب من الخصوصيات الكلية.

إلا أن التأمّل في خطوط الاتصال والانفصال بين شرق الفكر العربي الإسلامي وغربه، يفضي إلى تكثيف اتجاهين بارزين:

الأول: في اتجاه القول  بالتميز:

ويمكن اختزاله في أطروحة القول بالقطيعة المعرفية: سَنُمَثِّل له بنموذج عابد الجابري، الذي يؤطر هذه العلاقة بمعطيين فكريين: عام وخاص:

أ: ثقافي تربوي عام: وعلى ضوئه يبدو أن  الأندلس وبلدان المغرب ظلتا تنشدّان إلى الأصول الثقافية والعقائدية المؤسِّسة. ونجد الجابري يبين ذلك بقوله: "فقد ظلت منذ الفتح الإسلامي تتحرك ثقافيا في دائرة الفاتحين الأُوَل، إسلام الصحابة والتابعين الذي يتبع الرواية والنقل أساسا لاكتساب المعرفة، سواء في مجال الدين أو اللغة، أو في غيرهما من المجالات (..) وهكذا حافظت الأندلس والمغرب على استقلالهما الفكري والمذهبي، محافظتهما على الاستقلال السياسي"( [96] ). وفي هذا السياق يؤكد الجابري على أثر "السلطة التي مارسها الفقهاء في ميدان العلم والتعليم"( [97] )، وما كان لها من "دور رئيسي في تحديد المسار الذي عرفه التطور الفكري في الأندلس"( [98] ).

ب: ثقافي فلسفي خاص: وقد بين الجابري هذا المستوى الخاص عبر عدد من التمظهرات، التي من أبرزها:

ب-1: اصطدام الثقافة العربية الإسلامية في الشرق الإسلامي منذ البدء  بالفكر اليوناني، أو ما يسمى بعلوم الأوائل، أما ما ميَّز الغرب الإسلامي الوسيط، فهو: "غياب الموروث القديم: فلم تشهد الأندلس (ولا المغرب الذي ظلت مرتبطة بتاريخه منذ الفتح حتى سقوط غرناطة)، أي انبعاث حقيقي لبنية المعتقدات القديمة السابقة على الإسلام، كما حدث في سوريا والعراق، وإلى حد ما في مصر"( [99] ).

ب-2: ولهذا التميز - في طبيعة العلوم المقروءة وزمن قراءتها - نتائج عميقة؛ إذ على ضوء هذا الافتراض التاريخي، "سيكون من حظ الفكر النظري في الأندلس، أن الفلسفة فيها ستأتي في وقتها، أي بعد تمكن الناس من الرياضيات والفلك والطب والمنطق، وهي الفنون التي كانت تؤسس التفكير الفلسفي البرهاني في اليونان"( [100] ). ومن هنا الاستنتاج القائل بأن "ظهور الفلسفة في الأندلس قد جاء في سياق يختلف تماما عن السياق الذي ظهرت فيه الفلسفة في المشرق"( [101] )، وأنه "لا أحد يستطيع اليوم أن يقول، إن الفلسفة في الأندلس كانت مجرد تكرار للفلسفة في المشرق، ولا أحد يستطيع اليوم كذلك، أن يقول إن بإمكانه أن يعود من ابن رشد إلى ابن سينا، تماما كما يعود من ابن سينا إلى الفارابي"( [102] ).

ب-3: إن الفرضية الأكثر أهمية، هنا، هي ولادة النزعة البرهانية التي ميزت بنية التفكير العلمي عامة في الغرب الإسلامي. تلك النزعة التي عبرت عن نفسها في ضرب من الشمولية الثقافية، حيث سعت مع الزمن إلى "تطبيق الطريقة البرهانية في العقليات كما في الفقهيات"( [103] ).

وهكذ